يعد تسليط الضوء على عدة تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول من أهم الحوافز التي تجعل كبرى الشركات العالمية تنتهج نفس النهج، وهناك 5 تجارب رائده، حيث يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولاً جذرياً غير مسبوق في ظل تزايد الضغوط الدولية للحد من التغير المناخي والالتزام باتفاقية باريس للمناخ، ولم تعد كبرى شركات النفط والغاز بمعزل عن هذا التغيير، بل أصبحت تتنافس في تبني استراتيجيات مستدامة لخفض انبعاثاتها الدفيئة.
في هذا المقال، نسلط الضوء على أبرز تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول، و كيف تعيد هذه الشركات العملاقة تشكيل مستقبل الطاقة من خلال الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة ومصادر الطاقة المتجددة.

دافع التحول: لماذا تتجه شركات النفط نحو الاستدامة؟
تتزايد التوقعات من الحكومات والمستثمرين والمستهلكين على حد سواء لرؤية خطوات فعلية لتقليل البصمة الكربونية، ووفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، فإن الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 يتطلب تضافراً هائلاً وجهوداً استثنائية من قطاع الوقود الأحفوري، من هنا نجد أن دراسة تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول تكشف عن تنوع في المقاربات؛ حيث تركز بعض الشركات على تحسين كفاءة العمليات التشغيلية، بينما تتجه أخرى نحو تحول كامل لتصبح “شركات طاقة شاملة” تعتمد على الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين.
نماذج رائدة: تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول
هناك عدة تجارب عالمية تم تنفيذها في شركات بترول كبرى أصبحت نماذج رائدة وهي:
1. تجربة شركة أرامكو السعودية: استهداف الريادة في الهيدروجين والكربون الدائري
تعد شركة أرامكو السعودية من أبرز الأمثلة في منطقة الشرق الأوسط والعالم؛ حيث أعلنت عن طموحها لتحقيق صافي انبعاثات صفري للغازات المسببة للاحتباس الحراري (النطاقين 1 و 2) عبر أصولها المملوكة بالكامل بحلول عام 2050.
تعتمد استراتيجية أرامكو بشكل كبير على مفهوم اقتصاد الكربون الدائري، والذي يتضمن أربعة محاور: خفض الانبعاثات، وإعادة استخدام الكربون، وإعادة تدويره، وإزالته، بالإضافة إلى ذلك، تستثمر الشركة بقوة في تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS) وتطوير الهيدروجين الأزرق ليكون بديلاً نظيفاً في المستقبل.
2. شركة بي بي (BP): التحول الشامل إلى شركة طاقة متكاملة
تمثل شركة بي بي البريطانية إحدى أكثر الـ تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول جرأة في تغيير نموذج عملها. وضعت الشركة هدفاً واضحاً للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 أو قبل ذلك.
تتضمن خطة الشركة خفض إنتاجها من النفط والغاز بنسبة تقارب 40% بحلول عام 2030 (مقارنة بمستويات 2019)، بالتزامن مع زيادة استثماراتها في مصادر الطاقة منخفضة الكربون بمقدار 10 أضعاف، وخاصة في مشاريع طاقة الرياح البحرية، ومحطات شحن المركبات الكهربائية، والوقود الحيوي.
3. شركة شل (Shell): استراتيجية “التقدم معاً” وخفض الكثافة الكربونية
تعد تجربة شركة رويال داتش شل نموذجاً آخراً يحتذى به في إدارة التحول، تهدف شل إلى أن تصبح شركة طاقة ذات صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.
تتميز استراتيجية شل بتركيزها ليس فقط على انبعاثات عملياتها (النطاقين 1 و 2)، بل وأيضاً على الانبعاثات الناتجة عن استخدام عملائها لمنتجاتها (النطاق 3) و لتحقيق ذلك، تتوسع شل في مبيعات الكهرباء الخضراء، وتطوير البنية التحتية للهيدروجين، واستخدام الحلول القائمة على الطبيعة مثل إعادة تشجير الغابات كأداة لتعويض الكربون.
4. شركة توتال إنرجيز (TotalEnergies): تنويع المحفظة الاستثمارية
قامت الشركة الفرنسية بتغيير اسمها رسمياً إلى توتال إنرجيز ليعكس هذا الاسم تحولها الاستراتيجي نحو التنوع. تهدف الشركة إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، وتطمح إلى أن تصبح من بين أفضل 5 منتجين عالميين للطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) بحلول عام 2030، وتعد تجربتها من أنجح الـ تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول نظراً لسرعة وتيرة الاستحواذ على أصول الطاقة المتجددة والدخول في أسواق الكهرباء النظيفة عالمياً.
5. شركة إيكوينور (Equinor): الريادة في احتجاز الكربون والرياح البحرية
تعتبر شركة إيكوينور النرويجية (ستاتويل سابقاً) رائدة عالمياً في مجال تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCS)، حيث تمتلك عقوداً من الخبرة في تخزين الكربون تحت قاع البحر في حقل “سليبنر”، تهدف الشركة للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، وتستغل خبراتها الهندسية البحرية لبناء أكبر مزارع طاقة الرياح البحرية العائمة في العالم، مما يمنحها ميزة تنافسية فريدة في قطاع الطاقة المتجددة.
التحديات والفرص المستقبلية لقطاع النفط والغاز
رغم وجود تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول أثبتت نجاحها المبدئي، إلا أن الطريق نحو طاقة نظيفة تماماً لا يزال محفوفاً بالتحديات الماليّة والتقنية مثل:
التكاليف الرأسمالية الضخمة
يتطلب التحول نحو التقنيات الخضراء استثمارات بمليارات الدولارات قد لا تحقق عوائد سريعة مقارنة بالنفط التقليدي.
الموازنة بين أمن الطاقة والتحول
يجب على الشركات ضمان إمدادات طاقة مستقرة للعالم أثناء فترة الانتقال لتفادي أزمات نقص الطاقة وارتفاع الأسعار.
تطوير البنية التحتية
تحتاج تقنيات مثل الهيدروجين واحتجاز الكربون إلى شبكات نقل وتخزين متطورة وغير متوفرة بشكل كافٍ حالياً.
ومع ذلك، تظل هذه التحديات فرصة سانحة للشركات التي تمتلك الملاءة المالية والخبرات الهندسية لقيادة السوق الجديد، وحجز مكانة متقدمة في الاقتصاد الأخضر القادم.
ختاماً، تؤكد الـ تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول أن قطاع النفط والغاز يمر بمرحلة إعادة ابتكار حقيقية، لم يعد الحياد الكربوني مجرد خيار تسويقي أو مسؤولية اجتماعية، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الأعمال في عالم يتجه بسرعة نحو الاستدامة، إن نجاح هذه الشركات في تحقيق مستهدفاتها بحلول عام 2050 سيسهم بشكل مباشر في صياغة مشهد طاقة عالمي أكثر نظافة وأماناً للأجيال القادمة.

فيديو العربية.. شركات النفط الخليجية الأقدر على تحقيق الحياد الكربوني
مراجع
اقرأ أيضاً





