يمثل الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول أحد المستهدفات الاستراتيجية لقطاع الطاقة، في ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات وتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول منتصف القرن الحالي، مع تزايد تحديات التغير المناخي والضغوط البيئية، تتجه شركات النفط والغاز إلى تبني 7 استراتيجيات رئيسية للحد من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن أنشطتها، بما يتماشى مع أهداف اتفاقية باريس للمناخ والتوصيات العلمية للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC).
ولا يعني تحقيق الحياد الكربوني بالضرورة التخلي الفوري عن الوقود الأحفوري، وإنما يتطلب خفض الانبعاثات الناتجة عن عمليات الاستكشاف والإنتاج والمعالجة والتكرير، مع تطبيق تقنيات وحلول تسهم في الحد منها ومعالجة ما يتبقى من انبعاثات.
في هذا المقال الشامل نستعرض مفهوم الحياد الكربوني وأهميته في صناعة البترول، ونتناول أبرز 7 استراتيجيات تعتمد عليها الشركات لتحقيق هذا الهدف، والتحديات المرتبطة بتطبيقها.

ما هو الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول؟
يقصد بمفهوم الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول الوصول بجميع الانبعاثات الكربونية والغازات الدفيئة الناتجة عن أنشطة الشق العلوي (الاستكشاف والإنتاج) والشق السفلي (التكرير والتوزيع) إلى مستوى “الصافي الصفري”، و يتحقق ذلك عبر مسارين متوازيين، الأول هو خفض الانبعاثات المباشرة من المنشآت إلى أقصى حد ممكن، والثاني هو تعويض أو احتجاز الانبعاثات المتبقية التي لا يمكن تجنبها تقنياً.
وفقاً لتصنيفات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، تركز شركات النفط حالياً على معالجة انبعاثات النطاق 1 (Scope 1) وهي الانبعاثات المباشرة من العمليات، والنطاق 2 (Scope 2) وهي الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن استهلاك الكهرباء والطاقة المستوردة في الحقول والمصافي.
7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول
تعتمد كبرى المؤسسات الوطنية والعالمية مثل أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية، بجانب الشركات العالمية الكبرى، على حزمة من الحلول التكنولوجية والتشغيلية المبتكرة، إليك الاستراتيجيات السبع الأكثر فاعلية:
1. تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS)
تعد تقنية احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه حجر الزاوية في مشاريع الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول، تتضمن هذه التقنية التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون مباشرة من مداخن المصافي ومحطات الطاقة الحقلية قبل وصوله إلى الغلاف الجوي، ومن ثم ضغطه ونقله عبر أنابيب متخصصة ليتم حقنه في مكامن النفط والغاز الناضجة لتعزيز استخلاص النفط (EOR)، أو عزله بشكل دائم في تكوينات جيولوجية عميقة تحت الأرض.
2. القضاء التام على الحرق الروتيني للغاز
يمثل حرق الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط هدراً اقتصادياً ومصدراً ضخماً للانبعاثات، وتلتزم الشركات الرائدة بمبادرة البنك الدولي الرامية إلى “إنهاء الحرق الروتيني للغاز بحلول عام 2030″، ويتم ذلك عبر إعادة حقن الغاز في المكامن للحفاظ على الضغط، أو معالجته وتسييله لبيعه كغاز طبيعي مسال، مما يسهم بشكل مباشر في دعم الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول.
3. خفض انبعاثات غاز الميثان والحد من التسربات
غاز الميثان هو أحد أقوى الغازات الدفيئة، وقدرته على حبس الحرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بعشرات المرات على المدى القصير، تشمل الجهود الرسمية في الحقول النفطية استخدام كاميرات الأشعة تحت الحمراء المتطورة والطائرات بدون طيار (Drones) المزودة بمستشعرات ليزرية لرصد أي تسربات في شبكات الأنابيب والصمامات وإصلاحها فوراً، وهو ما يعد ركيزة أساسية لضمان سلامة البيئة المحيطة بالعمليات.
4. كهربة حقول النفط والاعتماد على الطاقة المتجددة
تقليدياً، تعتمد حقول النفط النائية على مولدات الديزل الضخمة لتشغيل مضخات الاستخراج ومنشآت المعالجة، التحول نحو ربط هذه الحقول بشبكات كهربائية نظيفة تعتمد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يقلل من انبعاثات النطاق 2 بشكل هائل، وتعد مشاريع الطاقة الشمسية في حقول النفط في منطقة الخليج العربي نموذجاً يحتذى به في هذا المسار المستدام.
5. تطبيق مفهوم اقتصاد الكربون الدائري (CCE)
تبنت دول مجموعة العشرين (G20) برئاسة المملكة العربية السعودية مفهوم اقتصاد الكربون الدائري كإطار متكامل لتحقيق الاستدامة، يعتمد هذا المفهوم على أربعة محاور أساسية (التقليل، إعادة الاستخدام، إعادة التدوير، والإزالة)، وبتطبيقه، تصبح الانبعاثات الناتجة جزءاً من دورة اقتصادية مغلقة ومفيدة، بدلاً من كونها نفايات ملوثة للبيئة.
6. تحسين كفاءة الطاقة والتحول الرقمي
تساهم الحلول الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليلات البيانات الضخمة، والتوائم الرقمية (Digital Twins) في تحسين كفاءة تشغيل التوربينات والمعدات داخل المنشآت النفطية، فعندما تُدار العمليات بأعلى كفاءة ممكنة، يقل استهلاك الوقود اللازم للتشغيل، مما يؤدي تلقائياً إلى خفض الانبعاثات والاقتراب خطوة إضافية نحو الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول.
7. الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة (NBS)
تدرك شركات النفط الوطنية أن التكنولوجيا وحدها قد لا تكفي لإزالة آخر ذرة كربون من العمليات الصعبة. لذلك، يتم توجيه استثمارات ضخمة نحو الحلول الطبيعية مثل زراعة ملايين أشجار المانغروف (القرم) والتشجير المكثف حول حقول الإنتاج والمناطق الساحلية، تعمل هذه النباتات كبالوعات طبيعية لامتصاص الكربون وتخزينه في التربة بفاعلية وأمان.
نماذج مضيئة من تقارير الاستدامة الرسمية
لإثبات واقعية هذه الجهود، تستعرض التقارير الموثوقة الصادرة عن وزارة الطاقة السعودية والمؤسسات الخليجية خطوات عملية ملموسة:
المملكة العربية السعودية
أعلنت رسمياً استهدافها الوصول إلى الحياد الصَفري بحلول عام 2060، بينما تهدف شركة أرامكو السعودية للوصول إلى الحياد الصَفري في انبعاثات النطاقين 1 و2 بحلول عام 2050 عبر الاستثمار المكثف في تقنيات CCUS وتطوير وقود الهيدروجين الأزرق.
دولة الإمارات العربية المتحدة
أطلقت استراتيجيتها للحياد المناخي 2050، وتقوم شركة أدنوك بتقديم موعد مستهدفاتها للحياد الكربوني إلى عام 2045 لتكون أول شركة كبرى في القطاع تتخذ هذه الخطوة المتقدمة، معتمدة بالكامل على شبكة كهرباء خالية من الكربون لإدارة عملياتها البرية والبحرية.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم وضوح خارطة الطريق، إلا أن تحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول يواجه تحديات اقتصادية وتقنية ملموسة، تتمثل أبرز هذه التحديات في التكلفة الرأسمالية العالية لإنشاء البنية التحتية الخاصة باحتجاز الكربون ونقله، بالإضافة إلى الحاجة لتطوير أطر تشريعية وقوانين دولية موحدة لتنظيم أسواق الكربون العالمية.
ومع ذلك، فإن الاستثمار في هذه التقنيات لم يعد خياراً ترفياً؛ بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان مرونة الشركات واستمرار تنافسيتها في أسواق الطاقة المستقبلية، حيث يفضل المستهلكون والمستثمرون النفط الأقل كثافة كربونية.
ختاماً، يمثل السعي نحو الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول ثورة صناعية جديدة تعيد تشكيل قطاع الطاقة التقليدي، من خلال دمج الاستراتيجيات السبع المذكورة—بدءاً من احتجاز الكربون وصولاً إلى الحلول القائمة على الطبيعة—يبرهن قطاع النفط على قدرته على التكيف والمساهمة الفعالة في بناء مستقبل مستدام وأكثر خضرة للأجيال القادمة، مع الحفاظ على أمن الطاقة العالمي.

فيديو هل ستساهم التكنولوجيا في تحقيق الحياد الكربوني؟
مراجع:
اقرأ أيضاً:
- تعرف على أهم 5 تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول وقيادة التحول الأخضر
- استراتيجية مصر للحياد الكربوني.. 5 محاور ترسم ملامح مستقبل الطاقة المستدامة





