يستهلك قطاع البتروكيماويات نحو 12% من إجمالي الطلب العالمي على النفط، وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، وهو ما يعكس حجم تأثير هذه الصناعة الحيوية في أسواق الطاقة العالمية، ويضع العلاقة بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات في صدارة نقاشات قادة الطاقة والمؤسسات الدولية.
وتُعد البتروكيماويات عصب الصناعات الحديثة، إذ تدخل في تصنيع كل شيء، بدءًا من البلاستيك والمذيبات وصولًا إلى الأسمدة والمستلزمات الطبية، ومع ذلك، يواجه القطاع ضغوطًا متزايدة لتقليص بصمته البيئية وخفض انبعاثاته الكربونية، في ظل التحولات التي تشهدها الأسواق العالمية والتشريعات البيئية الأكثر صرامة.
ومن هنا، تبرز أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات الحياد الكربوني واستمرار نمو صناعة البتروكيماويات، بما يضمن استدامة الشركات وقدرتها على المنافسة في اقتصاد المستقبل منخفض الكربون.

واقع الانبعاثات وتحديات الاستدامة في القطاع
يتطلب فهم العلاقة بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات تفكيك مصادر الانبعاثات الأساسية داخل المصانع والمجمعات الكيميائية، تنقسم هذه الانبعاثات إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
انبعاثات العمليات الحرارية (التكسير البخاري)
تحتاج وحدات التكسير إلى درجات حرارة تتجاوز 850 درجة مئوية لتحويل اللقيم (مثل النافثا والإيثان) إلى أوليفينات أساسية كالإيثيلين والبروبيلين، ويتم توليد هذه الحرارة حالياً عبر حرق الوقود الأحفوري.
انبعاثات التفاعلات الكيميائية المباشرة
تصاحب بعض الصناعات البتروكيماوية تفاعلات ينتج عنها غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل حتمي، مثل صناعة الأمونيا والميثانول التي تعتمد على إصلاح الغاز الطبيعي.
انبعاثات الطاقة المستهلكة (النطاق 2)
ترتبط بالكهرباء والبخار المستوردين من شبكات طاقة غير متجددة لتشغيل الضواغط والمعدات الميكانيكية الضخمة.
إن الطبيعة الكثيفة لاستهلاك الطاقة في هذه العمليات تجعل تحقيق التوازن بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات تحدياً تقنياً وهندسياً غير مسبوق، يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة وخارطة طريق تمتد لعقود.
5 مسارات استراتيجية لتحقيق الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات
تبنت كبرى شركات الكيماويات العالمية، مثل شركة سابك (SABIC)، خريطة طريق واضحة المعالم للوصول إلى صفر انبعاثات بحلول عام 2050، وترتكز خطط التوفيق بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات على خمسة مسارات تقنية رئيسية:
1. تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه واستخدامه (CCUS)
تعد تكنولوجيا احتجاز الكربون حجر الزاوية في خطط خفض الانبعاثات الحتمية، تسعى الشركات إلى اقتناص غاز ثاني أكسيد الكربون من المدواخن وتخزينه في تكوينات جيولوجية عميقة أو إعادة استخدامه كمادة خام لإنتاج ميثانول وبوليمرات منخفضة الكربون، وفي هذا السياق، تمضي أرامكو السعودية بالتعاون مع شركائها لتطوير أحد أكبر مراكز استخلاص وتخزين الكربون في العالم بمدينة الجبيل الصناعية.
2. كهربة العمليات الصناعية بالطاقة المتجددة
التحول من حرق الغاز إلى استخدام الفرن المكهرب يمثل ثورة تكنولوجية في غاية الأهمية، نجحت تحالفات صناعية كبرى في تشغيل أولى وحدات التكسير البخاري التجريبية التي تعتمد كلياً على الكهرباء النظيفة المستمدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مما يسهم في خفض الانبعاثات الناتجة عن هذه العملية بنسبة تصل إلى 90%.
3. الاعتماد على الهيدروجين الأخضر والأزرق
يمثل الهيدروجين النظيف وقوداً بديلاً ومادة تفاعلية أساسية لإزالة الكربون من المنتجات النهائية، إن استخدام الهيدروجين الأخضر (المنتج من فصل الماء باستخدام طاقة متجددة) في مجمعات الأمونيا والميثانول يمنح قطاع الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات دفعة قوية عبر تقديم أسمدة ومواد كيميائية صديقة للبيئة تلبي تطلعات الأسواق العالمية.
4. تعزيز الاقتصاد الدائري واللقيم البديل
تتجاوز استراتيجية الاستدامة مجرد خفض انبعاثات المصانع إلى إدارة دورة حياة المنتج، يتضمن هذا المسار التوسع في تقنيات التدوير الكيميائي للبلاستيك والمخلفات لتحويلها إلى زيوت لقيم مكررة تُعاد تغذيتها في المصانع، بالإضافة إلى دمج الكربون الحيوي المستدام لتقليل الاعتماد على النفط الخام المستخرج حديثاً.
5. رفع كفاءة الطاقة والتحول الرقمي
تطبيق تقنيات الثورة الصناعية الرابعة يسهم في تسريع التقارب بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات، تساعد أنظمة استرجاع الحرارة المهدرة، والمبادلات الحرارية المتقدمة، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة التشغيل، وتوقع أعطال المعدات، وتحسين استهلاك الطاقة بداخل المجمعات الضخمة، مما ينعكس بشكل فوري على خفض كميات الانبعاثات الكربونية لكل طن منتج.
الجدوى الاقتصادية والمحفزات التشريعية العالمية
لم يعد الحديث عن الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات مجرد مبادرة طوعية للمسؤولية الاجتماعية، بل أصبح ضرورة اقتصادية ملحة تفرضها التشريعات الدولية وعوامل السوق.
وتشير البيانات الصادرة عن قادة الصناعة إلى أن التحول الكامل يتطلب استثمارات رأسمالية هائلة؛ وأن تكلفة مشاريع التحول الأولي والوصول إلى الأهداف المرحلية تتطلب مليارات الدولارات، مما يبرز الحاجة الشديدة لتطوير أسواق كربون طوعية وتنظيمية تدعم الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات الطموحة.
مستقبل القطاع: نحو كيماويات مستدامة وعالم نظيف
إن صياغة معادلة متوازنة تجمع بين الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات ستحدد ملامح خريطة الطاقة العالمية في العقود القادمة، لن يتوقف العالم عن استهلاك المواد الكيميائية، بل سيزداد الاعتماد عليها لتصنيع مكونات الألواح الشمسية، توربينات الرياح، وبطاريات السيارات الكهربائية.
بناءً على ذلك، فإن نجاح قطاع البتروكيماويات في خفض انبعاثاته التشغيلية وتبني حلول الاقتصاد الدائري يضمن بقاءه كركيزة أساسية للتطور البشري، مع المساهمة الفاعلة في الحد من الاحتباس الحراري العالمي وتحقيق مستهدفات اتفاقية باريس للمناخ، إن التآزر بين الابتكار التقني، والتمويل المستدام، والسياسات التحفيزية هو السبيل الوحيد لربط الحياد الكربوني وصناعة البتروكيماويات برباط الاستدامة والنمو المشترك.

فيديو السقف الزمني لتحقيق الحياد الكربوني
المراجع :
- صناعة البتروكيماويات في ظل التوجه نحو الطاقة الخضراء- مركز معلومات رئاسة مجلس الوزراء المصري
- البتروكيماويات الخضراء – مركز معلومات رئاسة مجلس الوزراء المصري
- مسـارات خفــض الانبعاثات الكربونية في صناعات البتروكيماويات – منظمة أوابك
اقرأ أيضاً:
- تعرف على أهم 5 تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول وقيادة التحول الأخضر
- استراتيجية مصر للحياد الكربوني.. 5 محاور ترسم ملامح مستقبل الطاقة المستدامة
- تعرف على أهم 7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول
- تعرف على أهم 5 محاور تقود مبادرات الحياد الكربوني في قطاع البترول المصري بحلول 2030
- التمويل الأخضر للحياد الكربوني في قطاع البترول .. 5 محاور أساسية ترسم مستقبل الطاقة
- 7 استراتيجيات رائدة لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز .. دليل شامل لمستقبل الطاقة المستدامة
- 6 إستراتيجيات رائدة لتحقيق الحياد الكربوني في قطاع الغاز الطبيعي





