برز مفهوم الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز كأحد أهم الحلول الاستراتيجية لضمان تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة مع تقليل الأثر البيئي في الوقت نفسه، وذلك عبر 7 استراتيجيات رئيسية، في وقت يشهد قطاع الطاقة العالمي تحولاً جذرياً نحو الاستدامة، حيث باتت قضايا التغير المناخي وخفض الانبعاثات في مقدمة أولويات الدول والشركات الكبرى.
وفي هذا السياق، يُقصد بالحياد الكربوني الوصول إلى صافي انبعاثات صفري، بحيث تتوازن كميات غازات الدفيئة المنبعثة مع الكميات التي يتم إزالتها أو تعويضها.
نستعرض في هذه المقالة دليلاً شاملاً يستند إلى بيانات وتوجهات الهيئات الدولية والمنظمات الرسمية، موضحاً كيف يمكن لقطاع الغاز الطبيعي أن يساهم في تحقيق الأهداف البيئية العالمية دون المساس بأمن الطاقة.

مفهوم الحياد الكربوني في قطاع الطاقة والغاز
قبل الغوص في الآليات التقنية، من الضروري فهم الأبعاد الهيكلية لانبعاثات الغازات الدفيئة في هذه الصناعة، تُصنف الانبعاثات المرتبطة بقطاع النفط والغاز إلى ثلاثة نطاقات رئيسية وفقاً لمعايير بروتوكول غازات الدفيئة (GHG Protocol):
النطاق الأول
الانبعاثات المباشرة الناتجة عن عمليات الشركة نفسها، مثل حرق الغاز في الشعلات، والتشغيل المباشر للمعدات، والتسريبات غير المقصودة.
النطاق الثاني
الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن استهلاك الطاقة الكهربائية أو الحرارية المشتراة من شبكات خارجية لتشغيل حقول ومرافق المعالجة.
النطاق الثالث
الانبعاثات الناتجة عن استخدام المستهلك النهائي للمنتج (مثل حرق الغاز في محطات توليد الكهرباء أو المصانع)، وهو النطاق الأكبر والأكثر تعقيداً في تتبعه.
يركز تطبيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز بشكل أساسي على معالجة انبعاثات النطاقين الأول والثاني، كخطوة أولى وحاسمة تمهد الطريق لخفض انبعاثات السلسلة بأكملها.
7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز
تتضافر الجهود التقنية والابتكارات الهندسية لتقديم حلول عملية تمكن الشركات من خفض بصمتها البيئية، وتتلخص أبرز هذه الاستراتيجيات في المحاور التالية:
1. تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه واستخدامه (CCUS)
تُعد تقنية احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS) حجر الزاوية في مساعي تحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز. تعمل هذه التقنية على التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون مباشرة من منشآت معالجة الغاز الطبيعي قبل انبعاثه إلى الغلاف الجوي. بعد الاحتجاز، يُضغط الغاز ويُنقل عبر أنابيب ليتم حَقنه في تكوينات جيولوجية عميقة وآمنة (مثل حقول النفط والغاز الناضجة أو طبقات المياه الجوفية المالحة)، أو يُعاد استخدامه في صناعات تحويلية مثل إنتاج الأسمنت والمواد الكيميائية.
2. الحد من انبعاثات غاز الميثان والتسربات
يمتلك غاز الميثان (المكون الأساسي للغاز الطبيعي) قدرة على احتباس الحرارة في الغلاف الجوي تفوق غاز ثاني أكسيد الكربون بأضعاف كثيرة على المدى القصير، لذلك، فإن السيطرة على انبعاثات الميثان الهاربة (Fugitive Emissions) تُعد أسرع وسيلة لتحقيق نتائج ملموسة، تعتمد الشركات الرائدة اليوم على برامج متطورة لكشف وإصلاح التسربات (LDAR) باستخدام الطائرات المسيرة (Drones)، والأقمار الصناعية، والكاميرات الحرارية البصرية المتطورة لضمان إغلاق أي منافذ للتسرب في شبكات الأنابيب ومحطات الضغط.
3. إنهاء الحرق الروتيني للغاز المصاحب
كان حرق الغاز الطبيعي المصاحب لعمليات استخراج النفط والغاز ممارسة شائعة للتخلص من الفائض لأسباب تشغيلية أو سلامة، ومع ذلك، تلتزم الدول والشركات الآن بمبادرة البنك الدولي الرامية إلى “إنهاء الحرق الروتيني للغاز بحلول عام 2030″، يتم استبدال الحرق بتقنيات إعادة حقن الغاز في الآبار لزيادة الإنتاج، أو تسييله ونقله، أو استخدامه محلياً لتوليد الطاقة الكهربائية اللازمة للموقع.
4. كهربة العمليات الاعتماد على الطاقة المتجددة
تعتمد الكثير من حقول إنتاج الغاز تقليدياً على مولدات الديزل أو توربينات الغاز المحلية لتشغيل المضخات والضواغط والمرافق السكنية في الحقول، يتطلب تحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز التحول نحو “كهربة الحقول”، مما يعني ربط الحقول بشبكات كهربائية نظيفة أو بناء محطات طاقة شمسية وطاقة رياح مخصصة لتزويد المنشآت بالطاقة، وهو ما يقضي تماماً على انبعاثات النطاق الثاني.
5. تطبيق مفهوم اقتصاد الكربون الدائري (CCE)
يعتمد اقتصاد الكربون الدائري على أربعة محاور أساسية وهي (التقليل، إعادة الاستخدام، التدوير، والإزالة)، في قطاع الغاز، يعني هذا تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المعدات لتقليل الانبعاثات أولاً، وإعادة تدوير غاز ثاني أكسيد الكربون المحتجز لاستخدامه في عمليات استخلاص النفط المحسّن (EOR)، والاعتماد على الحلول الطبيعية لإزالة المتبقي من الانبعاثات.
6. التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لإدارة الطاقة
تلعب التكنولوجيا الرقمية دوراً محورياً في تحسين كفاءة العمليات، تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية (Digital Twins) للمهندسين مراقبة أداء المنشآت بدقة متناهية والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، يساهم هذا التشغيل الذكي في تقليل فترات التوقف غير المخطط لها، وتحسين احتراق الوقود، وبالتالي خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الهدر التشغيلي.
7. الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة لتعويض الانبعاثات
بالرغم من كل الجهود التقنية، قد تتبقى بعض الانبعاثات التي يصعب التخلص منها تماماً بسب القيود الهندسة الحالية، هنا يأتي دور الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions)، حيث تستثمر شركات الغاز في مشاريع تشجير واسعة النطاق، وحماية الغابات، وإعادة تأهيل أشجار المانغروف (القرم) التي تمتلك قدرة فائقة على امتصاص واستخلاص الكربون من الجو، مما يضمن الوصول إلى المعادلة الصفرية المطلوبة.

جهود ومبادرات المؤسسات الرسمية العالمية
لا تتم هذه الجهود بشكل فردي، بل تقودها أطر عمل ومبادرات دولية توفر المعايير والرقابة، تشير تقارير وكالة الطاقة الدولية (IEA) والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن الغاز الطبيعي سيلعب دوراً انتقالياً مهماً كجسر نحو الطاقة المتجددة، بشرط إزالة الكربون من عمليات إنتاجه.
على الصعيد الإقليمي، تسير العديد من الهيئات مثل منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF) بخطى حثيثة نحو صياغة استراتيجيات موحدة لخفض الانبعاثات في منطقة البحر المتوسط، وتحويل المنطقة إلى مركز إقليمي لتداول الغاز منخفض الكربون، كما تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي، ومن خلال شركاتها الوطنية العملاقة، مستهدفات طموحة للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050 أو 2060، مستفيدة من البنية التحتية المتطورة والقدرات التمويلية الكبيرة للاستثمار في مشروعات الهيدروجين الأزرق واحتجاز الكربون.
التحديات والآفاق المستقبلية لإنتاج الغاز النظيف
على الرغم من وضوح الرؤية والاستراتيجيات، إلا أن الطريق نحو تحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز لا يخلو من التحديات، تظل التكلفة الرأسمالية العالية لتأسيس البنية التحتية لتقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCUS) أحد أكبر العوائق أمام الشركات المتوسطة والصغيرة، بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر تطوير أطر تشريعية وقوانين واضحة تنظم عمليات نقل وتخزين الكربون وتضمن سلامتها البيئية على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن الضغوط المتزايدة من المستثمرين والمستهلكين، وفرض ضرائب الكربون الحدودية (مثل آلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي CBAM)، تجعل من الاستدامة خياراً حتمياً للاستمرار في الأسواق العالمية، إن الاستثمار في خفض الانبعاثات اليوم لم يعد مجرد مسؤولية مجتمعية، بل هو ركيزة أساسية لضمان التنافسية التجارية لمنتجي الغاز في المستقبل.
ختاماً، يمثل الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز الحل المتوازن والمثالي للمرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم، فهو يضمن استمرار إمدادات الغاز الطبيعي كوقود أحفوري هو الأقل انبعاثاً، وفي الوقت ذاته، يتماشى مع المستهدفات المناخية العالمية لإنقاذ كوكب الأرض والحفاظ على بيئة مستدامة للأجيال القادمة.

فيديو تحقيق الحياد الكربوني ووقف عمليات التنقيب
مراجع
اقرأ أيضاً:
- تعرف على أهم 5 تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول وقيادة التحول الأخضر
- استراتيجية مصر للحياد الكربوني.. 5 محاور ترسم ملامح مستقبل الطاقة المستدامة
- تعرف على أهم 7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول





