استدامة

خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى .. خطوة حاسمة نحو التحول الأخضر 2050

هل تعيد شركات النفط العالمية رسم استراتيجياتها التشغيلية والاستثمارية خلال العقود المقبلة ؟

أصبح خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى من أبرز أولويات قطاع الطاقة العالمي لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050.

يأتي ذلك في وقت يسهم فيه قطاع النفط والغاز بنحو 15% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالطاقة عالميًا من خلال عمليات الاستخراج والمعالجة والنقل، بينما تمثل الانبعاثات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري النسبة الأكبر من إجمالي الانبعاثات العالمية.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) إلى أن عمليات النفط والغاز تطلق أكثر من 5 مليارات طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل نحو 15% من إجمالي انبعاثات قطاع الطاقة.

كما تؤكد الوكالة أن التقنيات المتاحة حاليًا قادرة على خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى في القطاع بنسبة تتجاوز 60% بحلول عام 2030 إذا تم تطبيقها على نطاق واسع.

وتتسابق شركات النفط العالمية مثل أرامكو السعودية، وإكسون موبيل، وشل، وتوتال إنرجيز، وبي بي، وشيفرون، وإيني، وإكوينور، وأدنوك، وأوكسيدنتال، إلى تبني استراتيجيات متقدمة تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى، من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة، واحتجاز الكربون، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، والرقمنة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في هذا المقال نستعرض أبرز آليات خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى، وأهم التقنيات المستخدمة، والتحديات التي تواجه القطاع، ومستقبل الصناعة في ظل التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون.

لماذا أصبح خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى  ضرورة ؟

لم يعد خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى  خيارًا تسويقيًا، بل تحول إلى متطلب اقتصادي واستثماري وتشريعي، إذ تواجه الشركات النفطية ضغوطًا متزايدة من الحكومات والمستثمرين والمؤسسات المالية لخفض بصمتها الكربونية كما أصبحت مؤشرات الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) عنصرًا رئيسيًا في تقييم أداء الشركات النفطية وتتمثل أبرز الأسباب في:

  • الالتزام باتفاق باريس للمناخ.
  • تطبيق ضرائب الكربون في العديد من الدول.
  • اشتراط المستثمرين الإفصاح عن الانبعاثات.
  • ارتفاع تكلفة الانبعاثات ضمن أنظمة تداول الكربون.
  • تزايد الطلب على المنتجات منخفضة الكربون.
  • تحسين القدرة التنافسية للشركات عالميًا.

مصادر الانبعاثات داخل شركات النفط الكبرى

تنتج الانبعاثات الكربونية عبر مراحل متعددة من سلسلة القيمة النفطية، وتشمل:

أولًا: عمليات الاستكشاف والإنتاج

تستخدم الحقول النفطية معدات ضخمة تعمل بالديزل أو الغاز الطبيعي، إضافة إلى مولدات الكهرباء والضواغط.

ثانيًا: حرق الغاز المصاحب

يُعد حرق الغاز في المشاعل (Flaring) من أكبر مصادر الانبعاثات، حيث يُحرق الغاز غير المستغل أثناء الإنتاج.

ثالثًا: تسربات غاز الميثان

يُعد الميثان من أقوى غازات الاحتباس الحراري، إذ تفوق قدرته على الاحتباس الحراري ثاني أكسيد الكربون بعشرات المرات خلال أول 20 عامًا من انبعاثه.

رابعًا: المصافي ومصانع البتروكيماويات

تستهلك عمليات التكرير كميات ضخمة من الطاقة الحرارية والكهربائية.

خامسًا: النقل والتخزين

تشمل خطوط الأنابيب، وناقلات النفط، ومحطات التصدير.

خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى
خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى

أبرز استراتيجيات خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى

تسهم هذه الإجراءات في تقليل ملايين الأطنان من الانبعاثات سنويًا، مع تحقيق عوائد اقتصادية من استغلال الغاز بدلًا من إهداره.

1- الحد من حرق الغاز المصاحب

تستثمر الشركات مليارات الدولارات في:

  • جمع الغاز بدلًا من حرقه.
  • إعادة حقنه في المكامن.
  • تحويله إلى غاز طبيعي مسال.
  • استخدامه لتوليد الكهرباء.

2- تقليل انبعاثات الميثان

أطلقت العديد من الشركات برامج تعتمد على التقنيات في الكشف المبكر عن التسربات وإصلاحها بسرعة، مما ساعد على خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى وتقليل الفاقد من الغاز. :

  • الأقمار الصناعية.
  • الطائرات المسيرة.
  • أجهزة الاستشعار الذكية.
  • الذكاء الاصطناعي.
  • المراقبة المستمرة للأنابيب والصمامات.

3- احتجاز الكربون وتخزينه (CCS)

تُعد تقنية احتجاز الكربون من أهم الحلول أمام شركات النفط الكبرى وتُستخدم هذه التقنية أيضًا في تعزيز استخلاص النفط، مع تقليل الانبعاثات الصافية وتقوم على:

  • التقاط ثاني أكسيد الكربون من المصانع والمنشآت.
  • ضغط الغاز.
  • نقله عبر خطوط أنابيب.
  • حقنه في خزانات جيولوجية عميقة.
خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى
خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى

4- كهربة الحقول النفطية

تستبدل الشركات التوربينات العاملة بالغاز بأنظمة كهربائية التي أدت إلى خفض استهلاك الوقود وتقليل الانبعاثات التشغيلية بصورة ملحوظة وتعتمد على:

  • الطاقة الشمسية.
  • طاقة الرياح.
  • الشبكات منخفضة الكربون.

5- استخدام الذكاء الاصطناعي

تسهم التحليلات التنبؤية في رفع الكفاءة التشغيلية وخفض خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى الغير المباشرة كما يساعد الذكاء الاصطناعي في:

  • تحسين كفاءة الإنتاج.
  • تقليل استهلاك الوقود.
  • التنبؤ بالأعطال.
  • تقليل فترات توقف المعدات.
  • إدارة الطاقة داخل المنشآت.

6- إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون

تُعد منتجات منخفضة الكربون جزءًا من استراتيجيات تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.تستثمر شركات النفط في:

  • الهيدروجين الأزرق.
  • الهيدروجين الأخضر.
  • الأمونيا منخفضة الكربون.

7- رفع كفاءة الطاقة

تؤدي تدابير رفع كفاءة الطاقة إلى خفض استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى المرتبطة بها وتشمل الإجراءات:

  • تحديث المعدات.
  • تحسين عمليات الاحتراق.
  • استخدام محركات عالية الكفاءة.
  • استرجاع الحرارة المهدرة.
  • أنظمة إدارة الطاقة الذكية.

دور الطاقة المتجددة في خفض الانبعاثات

تتجه شركات النفط الكبرى إلى الاستثمار في:

  • محطات الطاقة الشمسية.
  • مزارع الرياح.
  • البطاريات.
  • شبكات الكهرباء الذكية.

وتستخدم هذه المصادر لتشغيل الحقول والمنشآت الصناعية، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري في العمليات التشغيلية.

التحول الرقمي ودوره في خفض الانبعاثات

أصبح التحول الرقمي عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيات خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى و الاستدامة، ويشمل:

  • التوائم الرقمية.
  • إنترنت الأشياء.
  • البيانات الضخمة.
  • الحوسبة السحابية.
  • التحليلات الفورية.

وتوفر هذه التقنيات رؤية دقيقة لاستهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى ، ما يدعم اتخاذ قرارات تشغيلية أكثر كفاءة.

خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى
خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى

أبرز مبادرات شركات النفط العالمية

أطلقت شركات النفط الكبرى مبادرات متنوعة لتعزيز الاستدامة و خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى، من بينها:

  • الاستثمار في مشاريع احتجاز الكربون واسعة النطاق.
  • التوسع في إنتاج الوقود منخفض الكربون.
  • استخدام الكهرباء المتجددة في تشغيل الحقول.
  • تطوير حلول للكشف عن تسربات الميثان.
  • إنشاء صناديق تمويل للابتكار في تقنيات المناخ.
  • إصدار تقارير دورية للإفصاح عن الانبعاثات وخطط خفضها.

وتعكس هذه المبادرات تحولًا تدريجيًا في نموذج أعمال الشركات، بحيث لا يقتصر دورها على إنتاج النفط والغاز، بل يمتد إلى توفير حلول خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى لتكون أكثر استدامة.

مستقبل خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى

من المتوقع أن يشهد العقد المقبل تسارعًا في تبني تقنيات خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى ، مع زيادة الاستثمارات في احتجاز الكربون، والهيدروجين، والوقود المستدام، والرقمنة، والطاقة المتجددة. كما ستلعب السياسات الحكومية، مثل ضرائب الكربون وأسواق تداول الانبعاثات، دورًا محوريًا في خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى.

وفي الوقت نفسه، ستظل الحاجة إلى النفط والغاز قائمة خلال المرحلة الانتقالية للطاقة، ما يجعل تحسين الأداء البيئي للقطاع ضرورة لضمان أمن الطاقة مع الحد من التأثيرات المناخية.

في الختام ، يمثل خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى أحد أهم محاور التحول في قطاع الطاقة العالمي، إذ تسعى الشركات إلى الموازنة بين تلبية الطلب المتزايد على الطاقة والوفاء بالتزاماتها المناخية. وقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على مزيج من الحلول، مثل الحد من حرق الغاز، وتقليل تسربات الميثان، واحتجاز الكربون، ورفع كفاءة الطاقة، والاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الكربون، يمكن أن يحقق انخفاضًا ملموسًا في البصمة الكربونية للقطاع.

ومع استمرار الابتكار التكنولوجي وتطور الأطر التنظيمية، لـ خفض الانبعاثات الكربونية في شركات النفط الكبرى ستزداد قدرة شركات النفط الكبرى على خفض الانبعاثات مع الحفاظ على تنافسيتها، بما يسهم في دعم أهداف التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة العالمي. ومن ثم، فإن الاستثمار في التقنيات النظيفة، والشفافية في الإفصاح عن الانبعاثات، والتعاون بين الحكومات والشركات، سيظل الركائز الأساسية لنجاح جهود التحول نحو صناعة نفط أكثر استدامة وأقل تأثيرًا على المناخ.

فيديو .. كيف تتبنى الشركات استراتيجيات خفض انبعاثات الكربون؟

المراجع : 

أقرأ أيضاً:

 

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكيماويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى