استدامة

خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول .. 8 محاور نحو الاستدامة

عرض شامل لمنهجية الهيئة العامة للبترول في تقليل الفاقد الطاقي وخفض الانبعاثات الكربونية

تبرز جهود خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول وكافة الشركات التابعة للقطاع، ضمن رؤية “مصر 2030” في إطار التزام الدولة المصرية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث وضع قطاع البترول المصري استراتيجية طموحة وشاملة تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول لتكون نموذجاً إقليمياً في التحول نحو اقتصاد الطاقة الأخضر.

تتجسد هذه الجهود في تحقيق خفض سنوي يتجاوز 1.4 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون نتيجة تنفيذ مشروعات لوقف الحرق الروتيني لغازات الشعلة واستغلالها في شركات القطاع، بالإضافة إلى خفض سنوي يناهز 900 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون عبر الانتهاء من تنفيذ 126 مشروعاً لتحسين كفاءة الطاقة وخفض استهلاك الكهرباء في أكثر من 31 شركة تابعة للقطاع.

نستعرض في هذا المقال بعمق الخطوات العملية والمشاريع الاستراتيجية لـ خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول التي تتبناها لتعزيز هذا المسار، حيث نسلط الضوء على تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCS)، ودور الرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات، بالإضافة إلى التحديات والفرص المرتبطة بالتحول نحو الهيدروجين الأخضر وكيف يمكن لقطاع البترول أن يتحول من مجرد مستخرج للطاقة إلى فاعل رئيسي في حماية البيئة العالمية.

خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

أصبحت جهود خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول ركيزة اقتصادية أساسية؛ حيث يعمل القطاع حالياً على مستهدف استراتيجي يقضي بخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 65% بحلول عام 2030، وحقق القطاع إنجازات لافتة في الفترة بين مطلع 2025 وحتى الربع الأول من 2026.

أدت مبادرات استخدام التكنولوجيا الحديثة في عمليات الحفر إلى تحقيق وفورات مالية تُقدّر بنحو 14 مليون دولار خلال عام 2025 والربع الأول من 2026، منها 3.2 مليون دولار وفر مباشر من أنشطة خفض الانبعاثات فقط. إن هذه الأرقام تعكس التزاماً مؤسسياً راسخاً، حيث يتم حالياً ربط الهيئة المصرية العامة للبترول والشركات القابضة مع أكثر من 90 شركة تابعة لجمع بيانات استهلاكات الطاقة أوتوماتيكياً، مما يضمن دقة الرصد والتحكم في مسار خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول.

تدرك الهيئة المصرية العامة للبترول أن الصناعة النفطية هي المصدر الرئيسي لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم. ومع التوجه العالمي نحو “الحياد الكربوني” بحلول عام 2050، اتخذت مصر خطوات جادة عبر استراتيجيات رؤية مصر 2030. بالنسبة للهيئة، لا يعني خفض الانبعاثات تقليص الإنتاج، بل يعني ترشيد وكفاءة، وهو ما ينعكس إيجاباً على تقليل الهدر، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين الصورة الذهنية للهيئة أمام المستثمرين الدوليين الذين يضعون معايير ESG (البيئية والاجتماعية والحوكمة) كشرط أساسي لضخ الاستثمارات.

خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول
خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

جهود خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

نجح قطاع البترول في تحقيق قفزة نوعية في ترشيد الطاقة من خلال خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول عبر مشروعات الربط الكهربائي. في إطار المحور الخامس من استراتيجية وزارة البترول والثروة المعدنية الهادف إلى ترشيد استهلاك الطاقة وحماية البيئة، قامت الهيئة بتنفيذ سلسلة من مشروعات الربط الكهربائي بعدد من مواقعها الحيوية في حقول الصحراء الشرقية وسيناء.

خفض الانبعاثات الكربونية في حقول رأس غارب

أسهمت مشروعات الربط الكهربائي بالحقول في تقليص استهلاك الوقود الأحفوري و خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول وتعزيز كفاءة التشغيل، ففي منطقة رأس غارب بالصحراء الشرقية، أنهت الشركة مشروع الربط مع الشبكة القومية للكهرباء عبر تركيب وتشغيل محول كهربائي رئيسي، ما أتاح الاستغناء عن التوربينات الغازية، والاستفادة من كفاءة الشبكة القومية ومزيجها المتنوع الذي يشمل الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية والرياح).

وأسفر ذلك عن خفض استهلاك الغاز الطبيعي بنحو 730 مليون قدم مكعب سنويًا وتقليل الانبعاثات بما يعادل 22 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون. كما نجحت الهيئة في تنفيذ المشروع بكامل مراحله دون أي تأثير على العمليات الإنتاجية أو معدلات الإنتاج، بفضل تطبيق أحدث تقنيات المزامنة وتطوير أنظمة التحكم وتوزيع الأحمال بكفاءة عالية.

خفض الانبعاثات الكربونية في حقول سيناء

في حقل رأس سدر بسيناء، تم ربط محطة المعالجة بالشبكة الموحدة، مما أدى إلى إيقاف مولدات الديزل وتحقيق وفر سنوي قدره 24 ألف لتر سولار، وخفض الانبعاثات بنحو 70 طناً من ثاني أكسيد الكربون.

وفي حقل عش الملاحة بالصحراء الشرقية، أنجزت الهيئة المرحلة الأولى من مشروع الربط مع شركة مجاويش للبترول لاستغلال غازات الشعلة (Flare Gas) في توليد الكهرباء، وهو ما مكّن من الاستغناء عن مولدات الديزل الخاصة بالهيئة وتوفير 108 آلاف لتر سولار سنوياً، إضافة إلى خفض الانبعاثات بما يعادل 315 طناً من ثاني أكسيد الكربون.

وفي خطوة داعمة لجهود التكامل، رفعت الهيئة كفاءة الربط الكهربائي لتغذية الأحمال الكهربائية الخاصة بشركة Kuwait Energy، حيث تم الاستغناء عن 23 مولد ديزل وتحقيق وفر سنوي قدره 1.08 مليون لتر سولار، إلى جانب خفض الانبعاثات الكربونية بمعدل 3,145 طناً.

خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول
خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

المحاور الاستراتيجية لخفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

لقد أدركت القيادة في قطاع البترول المصري أن التحدي الذي يفرضه التغير المناخي يتطلب تغييراً جذرياً في “ثقافة العمل”، لذا فإن خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول يعني إعادة تقييم سلسلة القيمة بالكامل، من مرحلة الاستكشاف والإنتاج وصولاً إلى النقل والتكرير والتوزيع، خاصة وأن العالم اليوم يتجه نحو تسعير الكربون، والشركات التي لا تمتلك استراتيجيات واضحة لخفض بصمتها البيئية ستجد نفسها خارج دائرة المنافسة الدولية، لذلك تبنت الهيئة منهجية تجمع بين “تحسين الأداء التشغيلي” و”الابتكار الأخضر”، وتعتمد على خطة طموحة تركز على عدة ركائز تقنية أساسية:

1. الرقابة الصارمة على تسريبات غاز الميثان

يعد غاز الميثان من أقوى غازات الاحتباس الحراري. لذلك، وضعت الهيئة برنامجاً وطنياً لرصد الميثان في المواقع البترولية، يتم استخدام طائرات بدون طيار (Drones) مزودة بكاميرات حرارية متطورة ومجسات ليزر للكشف عن أي تسريب دقيق قد لا تراه العين البشرية.

إن سرعة التدخل في إصلاح هذه التسريبات تعتبر من أنجح تطبيقات خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول، حيث تحقق عوائد بيئية فورية.

2. القضاء على حرق الغاز (Zero Flaring)

كانت ممارسة حرق الغاز المصاحب لسنوات طويلة تمثل هدراً لموارد طاقية قيمة، اليوم تستثمر الهيئة في وحدات معالجة الغاز المتنقلة التي يمكنها التقاط الغاز في مواقع الإنتاج النائية وتحويله إلى وقود نظيف أو ضخه في الشبكة القومية للغازات، هذا التحول لا يقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فحسب، بل يضيف قيمة اقتصادية ملموسة.

3. الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي

لا يمكن الحديث عن خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول دون الإشارة إلى الثورة الرقمية. لقد أدخلت الهيئة أنظمة “الذكاء الاصطناعي التنبئي” لإدارة الأصول:

  • الصيانة التنبؤية: بدلاً من انتظار حدوث عطل في المضخات أو الأنابيب، تعمل المستشعرات على التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، مما يمنع الانبعاثات الناتجة عن توقف التشغيل المفاجئ أو التسريبات الناتجة عن تلف المعدات.
  • محاكاة العمليات: يتم بناء نماذج رقمية (Digital Twins) لكافة حقول الإنتاج لتجربة طرق تشغيل بديلة تقلل من انبعاثات الكربون قبل تطبيقها على أرض الواقع.
  • المنصة الرقمية لحساب البصمة الكربونية: أطلقت الهيئة منصة رقمية متخصصة لحساب البصمة الكربونية، تمهيداً لتفعيلها ووضع خارطة طريق تنفيذية لتطبيقها على مستوى الشركات التابعة.

4. الطاقة المتجددة جزء من مزيج الطاقة

تتبنى الهيئة توجه “دمج الطاقة المتجددة” كجزء من سياسات خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول كالتالي:

  • الطاقة الشمسية: تم تزويد العديد من الحقول والآبار ومحطات التوزيع بألواح شمسية لتشغيل أنظمة الإضاءة والمراقبة والتحكم، مما يقلل الاعتماد على المولدات التي تعمل بالديزل ذات الانبعاثات العالية، مشروع “شمس بلاعيم” حقق وفراً سنوياً قدره 20.8 ميجاوات و788 ألف دولار.
  • توليد الكهرباء النظيفة: يتم دراسة مشاريع لربط المجمعات البترولية الكبرى بمحطات طاقة رياح وشمسية، مما يوفر طاقة نظيفة للعمليات الإنتاجية الثقيلة.

5. تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCS)

تعتبر هذه التقنية هي “الجوهرة” في استراتيجية خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول، حيث وقعت الهيئة مذكرة تفاهم مع تحالف مجموعة امبيرو (الروسي – الإماراتي – الإيطالي) لإنشاء مشروع متكامل لالتقاط انبعاثات الكربون الناتجة من أنشطة صناعة البترول والغاز بجميع أنواعها (غازات الشعلة، غازات مداخن، أفران ومداخن، Direct stream) في مرحلة التكرير والبتروكيماويات، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة عالية (الميثانول الأخضر)، ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى في شركة القاهرة لتكرير البترول.

6. بناء القدرات والاستدامة البيئية

إن الالتزام بالمعايير البيئية يتطلب قوة عاملة واعية. نظمت الهيئة ورش عمل وندوات تعريفية حول “تعريف البصمة الكربونية وفرص خفض انبعاثات غاز الميثان بشركات البترول”، بهدف تعزيز الوعي البيئي وتبادل الخبرات بين شركات القطاع. كما يتم إدراج “مؤشر البصمة الكربونية” كأحد مقاييس الأداء الوظيفي.

  • الإدارة المستدامة للمياه والمخلفات: الاستدامة لا تقتصر على الهواء فقط، وفي إطار رؤية الهيئة الشاملة، يتم تنفيذ مشاريع لإعادة تدوير المياه المستخدمة في العمليات الصناعية، وتستخدم تقنيات “المعالجة الحيوية” (Bioremediation) لتحويل المخلفات الهيدروكربونية إلى مواد غير ضارة قبل تصريفها.
  • المعايير العالمية والاستدامة: تعتمد الهيئة حالياً معايير التقارير العالمية (GRI) و(TCFD). إن الشفافية في إعلان أرقام الانبعاثات هي أداة لتقييم الأداء، ومن خلال نشر تقارير الاستدامة السنوية، تضع الهيئة نفسها تحت مجهر الرأي العام والمستثمرين.
  • ترشيد الطاقة وخفض الانبعاثات عبر مشروعات الربط الكهربائي: تمتلك الهيئة مجموعة من المصافي التي تخضع الآن لعمليات “تحديث تكنولوجي” لتقليل استهلاك الوقود اللازم للغلايات والأفران، التحول نحو أنظمة التحكم الآلي (DCS) يسمح برفع كفاءة التفاعل الكيميائي وتقليل الفاقد الحراري.

7. التوسع في الغاز الطبيعي كوقود انتقالي

تعتبر الهيئة الغاز الطبيعي “الوقود الانتقالي المثالي”. مقارنة بالفحم أو الوقود الثقيل، ينتج الغاز الطبيعي انبعاثات كربونية أقل بنسبة تصل إلى 50%، لذا فإن استراتيجية الهيئة في التوسع في توصيل الغاز للمنازل وإحلال السيارات للعمل بالغاز الطبيعي بدلاً من البنزين والسولار هي جوهر جهود خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول على المستوى القومي.

8. الشراكات والآفاق المستقبلية: الهيدروجين

تتجه أنظار الهيئة نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق، مستغلة بنيتها التحتية المتميزة، لذلك فإن خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول يمهد الطريق لمصر لتصبح “مركزاً إقليمياً للهيدروجين”. كما تقوم الهيئة بعقد شراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية لنقل التكنولوجيا الحديثة، ومع الجامعات المصرية لإجراء بحوث تطبيقية.

ختامًا، مسيرة خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول هي ملحمة صناعية بامتياز، فإننا أمام تحولٍ لا يقوده مهندسو البترول وحدهم، بل يقوده اقتصاديو الطاقة وخبراء البيئة، ولقد بدأت الهيئة رحلتها بالفعل كاستجابة استباقية لمتطلبات المستقبل، لذا إن كل برميل يتم إنتاجه بكفاءة أعلى، وكل متر مكعب من الغاز كان يُحرق سابقاً وأصبح الآن يُستخدم كطاقة، هو خطوة نحو عالم أكثر أماناً.

خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول
خفض الانبعاثات الكربونية في الهيئة المصرية العامة للبترول

فيديو || وزيرا البترول والبيئة يناقشان سبل خفض الانبعاثات الكربونية 

المراجع :

أقرأ أيضاً:

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكيماويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى