استدامة

خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية .. ركيزة لدعم رؤية مصر 2030

من إنتاج النفط إلى حماية البيئة: كيف تواجه المجمعات البترولية تحديات التغير المناخي؟

تمثل جهود خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية ركيزة أساسية لدعم رؤية مصر 2030، واستراتيجية الدولة المصرية للطاقة المتكاملة والمستدامة لتحقيق التزاماتها الدولية في مؤتمرات المناخ المتعاقبة، ولا سيما مؤتمر قمة المناخ (COP27) الذي استضافته مدينة شرم الشيخ.

نسلط الضوء في السطور القادمة على آليات تنفيذ خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية عبر استراتيجية طموحة، ودورها الفاعل في وضع مصر على خريطة الطاقة النظيفة عالمياً، التزاماً بالمعايير البيئية ودعماً لمسيرة الاقتصاد الأخضر.

دور خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية

شهد قطاع البترول المصري خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية لا تقتصر فقط على زيادة معدلات الإنتاج والاكتشافات البترولية، بل تمتد لتشمل خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية وترسيخ مفهوم “البترول الأخضر”. ويعني هذا المفهوم تبني ممارسات تشغيلية صديقة للبيئة تهدف إلى تقليص البصمة الكربونية للعمليات البترولية من مرحلة الاستكشاف وحتى الاستهلاك النهائي. وتُعد المجمعات البترولية الكبرى، مثل مجمع بورسعيد، ومجمع الإسكندرية للبترول، ومنطقة شقير ورأس غريب على ساحل البحر الأحمر، مسرحاً رئيسياً لتطبيق هذه التكنولوجيا المتقدمة والممارسات المستدامة.

خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية
خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية

الدوافع الاستراتيجية لخفض الانبعاثات في القطاع البترولي

تتعدد الدوافع التي تجعل من خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية ضرورة ملحة وليست مجرد خيار تكميلي، وتبرز هذه الدوافع في النقاط التالية:

  • الالتزامات الدولية والبيئية: التوقيع على الاتفاقيات الدولية المعنية بخفض غازات الدفيئة، والحد من انبعاثات غاز الميثان الذي يمثل تحدياً مضاعفاً لخطورته الفائقة في حبس الحرارة مقارنة بثاني أكسيد الكربون.

  • الكفاءة التشغيلية والاقتصادية: يؤدي خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية غالباً إلى تقليص الفاقد من الغازات والموارد الطبيعية، مما يحقق وفورات مالية ضخمة ويعظم القيمة المضافة من كل برميل بترول أو وحدة غاز منتجة.

  • جذب الاستثمارات الخضراء: تتجه المؤسسات التمويلية العالمية وصناديق الاستثمار الكبرى اليوم نحو تمويل المشروعات ذات المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، مما يجعل خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية شرطاً أساسياً للحصول على التمويل الدولي بتكلفة منخفضة.

  • تحسين البيئة المحيطة وصحة المجتمع: حماية المناطق السكنية المجاورة للمجمعات البترولية من التلوث الهوائي، مما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة وجودة الحياة للمواطنين.

المحاور الرئيسية لخفض الانبعاثات في المجمعات البترولية

تعتمد وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية على خطة عمل شاملة ومتعددة المسارات لتحقيق خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية، وترتكز هذه الخطة على المحاور الآتية:

1. ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين كفاءتها

تستهلك المجمعات البترولية كميات هائلة من الطاقة لتشغيل الضواغط والمضخات ووحدات التكرير. ولذلك، تم تنفيذ برامج متقدمة لإدارة الطاقة وفقاً للمعايير العالمية (مثل الأيزو 50001)، والتي تضمنت:

  • تحديث المعدات والآلات القديمة بأخرى عالية الكفاءة ومنخفضة استهلاك الطاقة.

  • استرجاع الحرارة المفقودة (Waste Heat Recovery) في وحدات التكرير والبتروكيماويات، واستخدامها في توليد البخار أو الطاقة الكهربائية، مما يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.

2. الحد من حرق الغازات (Zero Routine Flaring)

يُعد حرق الغاز المصاحب لعمليات استخراج البترول مصدراً رئيسياً لانبعاثات غازات الدفيئة والهدر الاقتصادي. وقد وضعت مصر خطة طموحة بالتعاون مع البنك الدولي للوصول إلى الوقف التام لحرق الغازات الروتينية بحلول عام 2030، إن لم يكن قبل ذلك. وشملت جهود خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية الآتي :

  • إنشاء شبكات تجميع متطورة لنقل الغازات المصاحبة بدلاً من حرقها، للاستفادة منها كوقود نظيف في توليد الكهرباء أو كلقيم للصناعات البتروكيماوية.

  • تركيب أنظمة مراقبة ورصد دقيقة لقياس كميات الغازات المحروقة وتطبيق معايير صارمة لضبط العمليات.

3. استرجاع غاز البخار (Vapor Recovery Units – VRU)

في مجمعات تخزين وتداول المنتجات البترولية، تتطاير أبخرة الهيدروكربونات أثناء عمليات الشحن والتفريغ. وتم تركيب وحدات استرجاع الأبخرة (VRU) في الموانئ والمستودعات الكبرى لالتقاط هذه الأبخرة وتحويلها مرة أخرى إلى سوائل قابلة للاستخدام، مما يمنع تسربها إلى الغلاف الجوي ويحقق عائداً اقتصادياً ملموساً.

4. التوسع في استخدام الطاقات المتجددة داخل المواقع البترولية

شهدت الفترة الأخيرة دمج مصادر الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، في تشغيل بعض المنشآت والمكاتب الحقلية التابعة لشركات البترول. ويجري حالياً خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية ودراسة وتخطيط مشروعات أضخم لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتغذية المجمعات البترولية النائية، مما يقلل الاعتماد على الشبكة القومية للكهرباء المعتمدة على الوقود الأحفوري.

خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية
خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية

تقنيات التقاط وتخزين واستخدام الكربون (CCUS)

تُعد تكنولوجيات خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية من خلال مشروعات التقاط وتخزين واستخدام الكربون (CCUS) الأداة الأحدث والأكثر تطوراً عالمياً للتعامل مع الانبعاثات الصعبة التي يصعب القضاء عليها بعمليات التشغيل المعتادة. وقد بدأت الشركات البترولية العاملة في مصر، بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية مثل “بي بي” (BP)، و”إيني” (ENI)، و”شلمبرجير”، في دراسة وتطبيق هذه التقنيات في حقول الغاز والمجمعات الكبرى.

آحدى تقنيات خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية مشروع التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج من العمليات الصناعية قبل انبعاثه في الجو، ثم ضخه وإعادة استخدامه في عمليات تعزيز إنتاج البترول (Enhanced Oil Recovery – EOR)، أو تخزينه بشكل آمن وعميق في التكوينات الجيولوجية الباطنية الناضبة، وهو ما يمثل نموذجاً رائعاً للاقتصاد الدائري للكربون.

دور الشراكات الدولية ونقل التكنولوجيا

لا يمكن الحديث عن نجاح جهود خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية بمعزل عن الشراكات الاستراتيجية الدولية. فقد أتاح انضمام قطاع البترول المصري إلى مبادرات عالمية مثل “تعهد الميثان العالمي” (Global Methane Pledge) فرصة ذهبية للحصول على الدعم الفني والتمويل الميسر، فضلًا عن نقل أحدث التقنيات الهندسية والرقمية المستخدمة في الكشف عن التسربات وإصلاحها (LDAR – Leak Detection and Repair).

كما ساهمت مذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون المشترك مع كبرى مؤسسات الطاقة العالمية في تسريع وتيرة التحول الرقمي داخل المجمعات البترولية، حيث تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT) لمراقبة استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية، واتخاذ القرارات التشغيلية التصحيحية بشكل فوري.

التحديات التي تواجه مسار إزالة الكربون

على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققها قطاع البترول المصري في هذا المجال، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجة خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية وتتطلب مواصلة العمل والابتكار، من أبرزها:

  • التكلفة الاستثمارية العالية: تتطلب تقنيات إزالة الكربون واسترجاع الغازات وتحديث البنية التحتية استثمارات مالية ضخمة ومستدامة.

  • عمر البنية التحتية: بعض المجمعات البترولية القديمة أُنشئت منذ عقود، مما يجعل عملية تحديثها وهيكلتها البيئية أكثر تعقيداً مقارنة بالمشروعات الحديثة.

  • نقل وتوطين التكنولوجيا: الحاجة المستمرة لتدريب الكوادر الوطنية على أحدث النظم التكنولوجية العالمية للتعامل مع معدات رصد وتقليل الانبعاثات.

الآثار الإيجابية لجهود خفض الانبعاثات على الاقتصاد والبيئة

تنعكس ثمار هذه السياسات الخضراء بشكل مباشر على مستويات عدة:

  • بيئياً: الانخفاض الملحوظ في معدلات انبعاثات غازات الدفيئة، وتحسين جودة الهواء في مناطق التجمعات الصناعية.

  • اقتصادياً: توفير كميات إضافية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية التي كانت تهدر أو تحرق، وإعادة توجيهها للاستهلاك المحلي أو التصدير، فضلاً عن تقليل تكاليف الطاقة المدفوعة عبر رفع الكفاءة.

  • اجتماعياً: خلق فرص عمل جديدة متخصصة في مجالات الطاقة الخضراء والاستدامة البيئية، ورفع وعي العاملين بمفاهيم السلامة والصحة المهنية وحماية البيئة.

في الختام، يُثبت قطاع البترول والغاز في مصر يوماً بعد يوم قدرته على التكيف والقيادة نحو مستقبل مستدام، من خلال تبني رؤية متكاملة تستهدف خفض الانبعاثات الكربونية في المجمعات البترولية المصرية بكل جدية وفاعلية. إن تضافر الجهود الحكومية، والتعاون مع الشركاء الدوليين، والاعتماد على الحلول التكنولوجية المبتكرة، يضع مصر على الطريق الصحيح لتكون مركزاً إقليمياً وعالمياً للطاقة النظيفة، ومثالاً يُحتذى به في الدول النامية والمنتجة للبترول في التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والمسؤولية البيئية.

فيديو .. من إنتاج الطاقة إلى حماية البيئة.. كيف تقود بدر الدين مسار خفض الكربون؟

المراجع :

أقرأ أيضاً:

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكيماويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى