يبرز مفهوم الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول كأحد أكبر التحديات والفرص الهندسية في القرن الحالي، ويتم تحقيقه عبر تطبيق 7 استراجيات رئيسية، وتعد مصافي تكرير البترول حلقة الوصل الحيوية بين استخراج النفط الخام والأسواق الاستهلاكية، غير أن هذه المنشآت الضخمة تستهلك طاقة مكثفة وتصدر كميات معتبرة من غازات الدفيئة لضمان تشغيل أفران التقطير ووحدات التكسير الحراري.
إن تحقيق التوازن بين تلبية الطلب العالمي المستمر على المشتقات النفطية والوصول إلى صافي انبعاثات صفري يتطلب تبني تقنيات هندسية متطورة، في هذا المقال الشامل، نستعرض بعمق مفهوم الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول، وأبرز الركائز التكنولوجية المعتمدة رسمياً لإعادة صياغة مستقبل تكرير النفط ليكون صديقاً للبيئة.

ما هو الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول؟
يُقصد بـ الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول إحداث موازنة تامة بين كمية غازات الاحتباس الحراري (خاصة ثاني أكسيد الكربون والميثان) المنبعثة من المنشأة التكريرية، والكمية التي يتم سحبها أو احتجازها من الغلاف الجوي، بحيث يصبح صافي الانبعاثات النهائي مساوياً للصفر، و تُصنف الانبعاثات في المصافي عادةً إلى ثلاثة نطاقات أساسية:
انبعاثات النطاق 1 (Scope 1)
وهي الانبعاثات المباشرة الناتجة عن حرق الوقود داخل أفران المصفاة والمراجل، والغازات الناتجة عن وحدات إنتاج الهيدروجين التقليدية.
انبعاثات النطاق 2 (Scope 2)
الانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بالكهرباء والبخار اللذين يتم شراؤهما وتشغيل المصفاة بهما من شبكات خارجية.
انبعاثات النطاق 3 (Scope 3)
الانبعاثات الناتجة عن استخدام المنتجات النهائية (مثل احتراق البنزين والديزل في السيارات والطائرات)، والتي تمثل الجانب الأكبر من دورة حياة الوقود.
تتركز جهود الشركات الوطنية والعالمية اليوم على خفض انبعاثات النطاق الأول والثاني كخطوة أولى وحتمية لترسيخ الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول.
7 استراتيجيات رائدة لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول
تطبيقاً للتوجهات الرسمية لتقليل بصمة الكربون، تعتمد شركات البترول الكبرى استراتيجيات تكنولوجية وهندسية متكاملة لضمان استدامة مصافي التكرير:
1. تطبيق تقنيات احتجاز وتخزين الكربون (CCUS)
تُشير دراسات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) إلى أن تقنيات احتجاز وتخزين الكربون تُعد الركيزة الأساسية لنزع الكربون من المنشآت الكثيفة الاستهلاك للطاقة، يتم التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون مباشرة من عوادم أفران التقطير ووحدات التكسير الهيدروجيني قبل انبعاثها إلى الغلاف الجوي، بعد ذلك، يُضغط الغاز ويُنقل عبر أنابيب ليتم حقنه في مكامن النفط والغاز المهجورة أو في طبقات المياه الجوفية المالحة العميقة لتخزينه بشكل آمن ومستدام تحت الأرض.
2. التحول نحو الهيدروجين الأخضر كمادة وسيطة ووقود
تستهلك مصافي التكرير كميات هائلة من الهيدروجين في عمليات إزالة الكبريت (Hydrotreating) وتحسين جودة الوقود، تقليدياً، يتم إنتاج هذا الهيدروجين عبر عملية “إعادة تشكيل الميثان بالبخار” (SMR)، وهي عملية كثيفة الانبعاثات و يمثل الانتقال إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر تحليل الماء باستخدام طاقة متجددة قفزة نوعية تدعم الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول، استخدام الهيدروجين أيضاً كوقود لتشغيل أفران المصفاة يضمن عدم انبعاث أي غازات دفيئة أثناء عملية الاحتراق.
3. كهربة العمليات والاعتماد على الطاقة المتجددة
تتحول المصافي الحديثة تدريجياً نحو استبدال التوربينات والمضخات التي تعمل بالغاز أو الديزل بمحركات كهربائية عالية الكفاءة. لضمان خفض انبعاثات النطاق الثاني، يتم ربط هذه المصافي بمحطات توليد طاقة شمسية أو طاقة رياح مخصصة، توفر هذه الطريقة إمدادات كهربائية مستدامة ونظيفة لإدارة العمليات اليومية للمصفاة دون توليد أثر كربوني جانبي.
4. القضاء التام على الحرق الروتيني لغازات الشعلة
يعد حرق الغازات الزائدة في الشعلات (Flaring) هدراً اقتصادياً ومصدراً مباشراً لتلوث البيئة، تلتزم المبادرات الرسمية المعاصرة لـ الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول بتركيب أنظمة استرجاع غاز الشعلة المتطورة (FGRU)، تعمل هذه الأنظمة على تجميع الغازات وتحويلها ليعاد استخدامها كوقود نظيف داخل المصفاة أو معالجتها وضخها في الشبكات القومية، تماشياً مع مبادرات البنك الدولي لإنهاء الحرق الروتيني بحلول عام 2030.
5. دمج وتطوير المصافي الحيوية المشتركة
تتضمن الاستراتيجيات الحديثة تحويل مصافي التكرير التقليدية جزئياً أو كلياً إلى مصافي حيوية (Bio-refineries)، من خلال معالجة الزيوت النباتية، الدهون المعاد تدويرها، والكتلة الحيوية جنباً إلى جنب مع النفط الخام، يمكن لقطاع التكرير إنتاج وقود طيران مستدام (SAF) وديزل حيوي يمتلك بصمة كربونية منخفضة للغاية مقارنة بالوقود الأحفوري التقليدي.
6. رفع كفاءة الطاقة عبر الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي
كلما انخفضت كمية الطاقة المطلوبة لتكرير برميل النفط الواحد، قلّت الانبعاثات الصادرة تلقائياً، تسهم التقنيات الرقمية مثل “التوائم الرقمية” (Digital Twins) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في مراقبة التدفقات الحرارية داخل المصفاة ولحظياً، يتيح ذلك تحسين كفاءة المبادلات الحرارية، وتقليل الفاقد، وضمان تشغيل الغلايات والأفران بأعلى مستويات الأداء التشغيلي وأقل استهلاك ممكن للوقود.
7. التوسع في أنظمة استرجاع الأبخرة الهيدروكربونية (VRU)
تتطاير كميات من الأبخرة الهيدروكربونية (التي تحتوي على الميثان ومركبات عضويّة متطايرة) أثناء عمليات شحن، تفريغ، وتخزين المنتجات النفطية في خزانات المصفاة، تمثل وحدات استرجاع الأبخرة (Vapor Recovery Units) خط الدفاع الأساسي لالتقاط هذه المركبات وإعادتها إلى الحالة السائلة، مما يمنع تسربها ويساهم بفاعلية في حماية الغلاف الجوي ودعم ملف الاستدامة.

الجدوى الاقتصادية والتحديات التي تواجه مصافي التكرير
على الرغم من الفوائد البيئية الكبيرة لتطبيق معايير الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول، إلا أن التحول الكامل يواجه عدة عقبات هامة:
التكاليف الرأسمالية الضخمة
تتطلب مشاريع احتجاز الكربون (CCUS) وبناء المحللات الكهربائية للهيدروجين استثمارات مالية هائلة قد تؤثر على ربحية المصافي على المدى القصير.
البنية التحتية الجغرافية
تحتاج تقنيات تخزين الكربون إلى تكوينات جيولوجية محددة تحت الأرض، وهو ما قد لا يكون متوفراً بالقرب من جميع مصافي التكرير، مما يرفع تكاليف النقل.
كفاءة الطاقة الإجمالية
عمليات احتجاز الكربون بحد ذاتها تستهلك كمية إضافية من الطاقة (Penalty Energy)، مما يفرض ضغطاً إضافياً لتأمين مصادر طاقة متجددة ضخمة لتغطية هذا الاستهلاك.
نماذج إقليمية وعالمية بارزة في التحول الأخضر
تبنت العديد من الشركات الوطنية خططاً معلنة بدأت تؤتي ثمارها على أرض الواقع تعزيزاً لـ الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول:
المملكة العربية السعودية
اعتمدت مفهوم “اقتصاد الكربون الدائري” (CCE) كإطار رسمي متكامل لتقليل الانبعاثات وإعادة استخدامها، وتستهدف شركة أرامكو السعودية الوصول للحياد الصغري في عملياتها التشغيلية بحلول عام 2050.
دولة الإمارات العربية المتحدة
أعلنت شركة “أدنوك” عن تقديم موعد مستهدفاتها للحياد الكربوني إلى عام 2045، معتمدة بشكل كامل على إمدادات الطاقة النووية والشمسية النظيفة لتشغيل منشآتها.
جمهورية مصر العربية
ينفذ قطاع البترول المصري حالياً حزمة من المشروعات الهندسية الهادفة لخفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى 65% في بعض المنشآت عبر وقف الحرق الروتيني وربط المصافي بوحدات تجميع الغاز المتطورة.
ختاماً، لم يعد الحياد الكربوني في عمليات تكرير البترول مجرد خيار بيئي رفيع، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان بقاء واستمرارية صناعة تكرير النفط في ظل مشهد طاقة عالمي يتغير بسرعة نحو الاستدامة ونبذ الانبعاثات، إن دمج التكنولوجيا الرقمية، مع التوسع في مشاريع احتجاز الكربون وإنتاج الهيدروجين النظيف، يضمن الحفاظ على دور النفط كمورد طاقة حيوي وآمن للاقتصاد العالمي، دون المساس بالمستهدفات المناخية الرامية لإنقاذ كوكب الأرض.

فيديو كيف تعمل مصافي تكرير النفط الخام؟
المراجع :
- رؤى مستقبلية لقطاع الطاقة – مركز معلومات مجلس الوزراء المصري
- وزيرا البترول والبيئة يناقشان سبل خفض الإنبعاثات الكربونية فى مصر – وزارة البترول والثروة المعدنية
- دور التحول الرقمي في تحسين أداء صناعة التكرير والبتروكيماويات – منظمة أوبك
اقرأ أيضاً:
- تعرف على أهم 5 تجارب عالمية للحياد الكربوني في شركات البترول وقيادة التحول الأخضر
- استراتيجية مصر للحياد الكربوني.. 5 محاور ترسم ملامح مستقبل الطاقة المستدامة
- تعرف على أهم 7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج البترول
- تعرف على أهم 5 محاور تقود مبادرات الحياد الكربوني في قطاع البترول المصري بحلول 2030
- التمويل الأخضر للحياد الكربوني في قطاع البترول .. 5 محاور أساسية ترسم مستقبل الطاقة
- 7 استراتيجيات رائدة لتحقيق الحياد الكربوني في عمليات إنتاج الغاز .. دليل شامل لمستقبل الطاقة المستدامة
- 6 إستراتيجيات رائدة لتحقيق الحياد الكربوني في قطاع الغاز الطبيعي





