استدامة

الحياد الكربوني في شركات البترول.. 7 استراتيجيات لمستقبل مستدام

دليل شامل لآليات خفض الانبعاثات في شركات البترول

يتصدر مفهوم الحياد الكربوني في شركات البترول المشهد الاقتصادي والبيئي العالمي كواحد من أكبر التحولات التشغيلية في التاريخ الحديث، إذ يتطلب الوصول إليه تطبيق 7 استراتيجيات هامة، فلم يعد الالتزام بخفض الانبعاثات مجرد خيار بيئي للمؤسسات، بل أصبح ضرورة استراتيجية للبقاء في الأسواق المالية العالمية، وضمان استدامة الأعمال، وتلبية متطلبات المستثمرين الذين يضعون المعايير البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات (ESG) في مقدمة أولوياتهم.

يُقصد بـ الحياد الكربوني في شركات البترول الوصول إلى نقطة التعادل الصِفري (Net-Zero)، بحيث تعادل كميات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن عمليات التنقيب والإنتاج والتكرير، تلك الكميات التي يتم إزالتها أو احتجازها من الغلاف الجوي، وتتطلب خارطة الطريق التي وضعتها وكالة الطاقة الدولية (IEA) تحولات جذرية في البنية التحتية للطاقة للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.

الحياد الكربوني في شركات البترول
الحياد الكربوني في شركات البترول.. 7 استراتيجيات لمستقبل مستدام

ما هو واقع الحياد الكربوني في شركات البترول اليوم؟

تواجه صناعة النفط ضغوطًا تنظيمية ومجتمعية متزايدة لتقليص بصمتها البيئية، ووفقًا لمخرجات التقارير الدولية، فإن تحقيق الحياد الكربوني في شركات البترول يستلزم استثمارات ضخمة تقدر بنحو 600 مليار دولار بحلول عام 2030 لخفض كثافة الانبعاثات التشغيلية إلى النصف، وهو مبلغ يُعد مجديًا واقتصاديًا مقارنة بالتكاليف الكارثية للتغير المناخي.

وقد شهدت قمة المناخ (COP28) خطوة تاريخية بإطلاق ميثاق إزالة الكربون من قطاع النفط والغاز (OGDC)، حيث تعهدت أكثر من 50 شركة نفطية عالمية (تمثل نحو 40% من إنتاج النفط العالمي) بتحقيق الحياد الكربوني في شركات البترول لعمليات النطاقين 1 (الانبعاثات المباشرة) و2 (الانبعاثات غير المباشرة من الطاقة المشتراة) بحلول عام 2050 أو قبل ذلك، مما يعكس رغبة حقيقية في تحويل التعهدات السياسية إلى خطط تنفيذية ملموسة.

أهم 7 استراتيجيات لتحقيق الحياد الكربوني في شركات البترول

تعتمد كبريات الشركات العالمية والمحلية في قطاع الطاقة على حزمة من الركائز الأساسية لخفض البصمة الكربونية بكفاءة عالية، وتتمثل هذه الركائز في المحاور السبعة التالية:

1. القضاء التام على الحرق الروتيني للغاز

يُعد حرق الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط هدرًا اقتصاديًا ومصدرًا مباشرًا لتلوث الهواء، و تلتزم الشركات الرائدة بمبادرة البنك الدولي لإنهاء الحرق الروتيني بحلول عام 2030، وذلك عن طريق تسييل الغاز ومعالجته أو إعادة حقنه في المكامن للحفاظ على الضغط، مما يدعم تسريع جدول الحياد الكربوني في شركات البترول.

2. خفض انبعاثات غاز الميثان المباشرة

يمتلك غاز الميثان قدرة على الاحتباس الحراري تفوق ثاني أكسيد الكربون بأضعاف كثيرة على المدى القصير. لذلك، تستخدم الشركات الآن طائرات بدون طيار (Drones)، وأقمارًا صناعية، وكاميرات الأشعة تحت الحمراء المتقدمة لرصد أي تسريبات في صمامات وأنابيب الغاز وإصلاحها فوراً، وهو ما يمثل ركيزة أساسية لخفض الانبعاثات التشغيلية.

3. كهربة حقول النفط ومنشآت الإنتاج

تعتمد منصات الحفر ومحطات الضخ تقليدياً على مولدات الديزل الضخمة، وتتجه استراتيجيات الحياد الكربوني في شركات البترول اليوم نحو ربط هذه المنشآت (سواء البرية أو البحرية) بشبكات الكهرباء الوطنية أو بناء محطات طاقة شمسية وطاقة رياح مخصصة لتشغيل الحقول بنسبة 100% من مصادر متجددة.

4. التوسع في تقنيات التقاط وتخزين الكربون (CCUS)

لا يمكن لقطاع النفط الاستغناء التام عن بعض العمليات الصناعية الكثيفة الكربون، وهنا يأتي دور تقنيات التقاط ثاني أكسيد الكربون من المنشآت وتكريره، ومن ثم ضخه تحت الأرض في حقول النفط والغاز المهجورة أو طبقات المياه الجوفية المالحة لتخزينه بشكل دائم، أو إعادة استخدامه في صناعات تحويلية ومواد البناء.

5. تبني اقتصاد الكربون الدائري والحلول القائمة على الطبيعة

يعتمد اقتصاد الكربون الدائري (CCE) على أربعة محاور: التقليل، إعادة الاستخدام، التدوير، والإزالة وتتكامل هذه المنظومة مع الحلول القائمة على الطبيعة عبر الاستثمار في مشاريع التشجير العملاقة وزراعة أشجار المانغروف (القرم) في المناطق الساحلية القريبة من المنشآت، لتشكل بالوعات طبيعية لامتصاص الكربون.

6. التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي

تسهم التكنولوجيا الرقمية في تعزيز كفاءة استخدام الطاقة داخل المصافي وحقول النفط، ومن خلال مستشعرات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، يمكن التنبؤ بالأعطال وتحسين كفاءة الاحتراق وإدارة استهلاك الطاقة بدقة متناهية، مما يقلل الهدر ويخفض الانبعاثات غير الضرورية بشكل ملحوظ.

7. الاستثمار في الطاقات النظيفة والوقود منخفض الكربون

إدراكاً منها بأن النفط والغاز قد لا يستمران كمصدر وحيد للطاقة عالمياً، تحولت كبرى الشركات إلى “شركات طاقة شاملة”، وتستثمر هذه الشركات حالياً مليارات الدولارات في تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والأزرق، وإنتاج وقود الطيران المستدام (SAF)، وتطوير تقنيات الطاقة الحرارية الأرضية.

نماذج إقليمية رائدة وتحديات التحول

تقود المنطقة العربية تحركات واسعة النطاق؛ إذ تُعد شركة أرامكو السعودية نموذجاً يحتذى به في تطبيق اقتصاد الكربون الدائري، وتسعى لتحقيق الصافي الصِفري للانبعاثات التشغيلية بحلول عام 2050. وبالمثل، رفعت شركة أدنوك الإماراتية سقف طموحاتها لتبكير مستهدف تحقيق الحياد المناخي ليصبح عام 2045، معتمدة على شبكة طاقة خالية من الانبعاثات لإدارة عملياتها.

رغم هذه الجهود الحثيثة، يواجه طريق الحياد الكربوني في شركات البترول تحديات حقيقية تشمل:

  • التكاليف الرأسمالية العالية لتقنيات التقاط الكربون.
  • صعوبة السيطرة على “انبعاثات النطاق الثالث” (الناتجة عن استهلاك المستهلكين النهائيين للوقود).
  • معضلة الموازنة بين خفض الانبعاثات وتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة بأسعار معقولة.

ختاماً، فإن تحقيق الحياد الكربوني في شركات البترول ليس مجرد شعار بيئي، بل هو إعادة صياغة كاملة لنموذج الأعمال النفطي التقليدي، ومن خلال تبني الاستراتيجيات السبع المذكورة، يثبت قطاع النفط والغاز قدرته على الابتكار والتحول ليكون جزءاً من الحل في أزمة التغير المناخي، وليس جزءاً من المشكلة، مؤمناً للأجيال القادمة طاقة موثوقة ونظيفة.

الحياد الكربوني في شركات البترول
الحياد الكربوني في شركات البترول.. 7 استراتيجيات لمستقبل مستدام

فيديو الحياد الكربوني في شركات البترول هدف تسعى إليه شركات القطاع

المراجع : 

اقرأ أيضاً:

فريد عبد الوارث

محرر متخصص في اقتصاديات البترول والتعدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى