أصبحت تقنيات معالجة غاز الشعلة اليوم أحد أهم مسارات التحول في صناعة النفط والغاز، خاصةً في ظل تقديرات دولية تشير إلى أن أكثر من 140 مليار متر مكعب من الغاز يُحرق سنويًا حول العالم، وهو ما يمثل خسائر اقتصادية وبيئية جسيمة.
ولما تمثله هذه التقنيات من توازن بين متطلبات السلامة التشغيلية وخفض الانبعاثات وتعظيم الاستفادة من الموارد الطاقية، فلم تعد مجرد حلول هندسية لمعالجة فائض الغاز في مواقع الإنتاج، بل تحولت إلى أحد أهم مسارات التحول في صناعة النفط والغاز عالميًا.
كما تمثل تقنيات معالجة غاز الشعلة اليوم حلقة الوصل بين متطلبات السلامة التشغيلية والالتزامات البيئية الدولية، في ظل تصاعد الضغوط لخفض الانبعاثات وتعظيم كفاءة استخدام الموارد.

وباتت تقنيات معالجة غاز الشعلة محورًا رئيسيًا في سياسات الطاقة الحديثة، سواء في الدول المنتجة الكبرى أو الأسواق الناشئة، مع تنامي الوعي بأثر الحرق الروتيني على المناخ والاقتصاد، وهذا ما سنتاوله في هذا المقال بشىء من التوضيح.
جدول المحتويات
أولًا: ما هو غاز الشعلة ولماذا أصبح معالجته ضرورة عالمية؟
غاز الشعلة هو الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط والغاز، والذي كان يُحرق تقليديًا في المشاعل لأسباب تتعلق بالسلامة أو لغياب البنية التحتية اللازمة لمعالجته أو نقله.
هذا الحرق يؤدي إلى انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والميثان، وهما من أكثر الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
من هنا، ظهرت تقنيات معالجة غاز الشعلة كحل استراتيجي يهدف إلى التقاط الغاز قبل حرقه، ومعالجته، وتحويله إلى مورد اقتصادي قابل للاستخدام بدلًا من إهداره.
ثانيًا: تطور تقنيات معالجة غاز الشعلة من الماضي إلى الحاضر
1. المرحلة التقليدية:
الحرق كحل وحيد
في العقود الماضية، كان الحرق في المشاعل هو الخيار الأسرع والأقل تكلفة، لكنه كان الأعلى تأثيرًا بيئيًا، مع فقدان مورد طاقي ثمين.
2. ظهور وحدات الاسترجاع
مع تطور التكنولوجيا، بدأت وحدات استرجاع غاز الشعلة (FGRU) في الظهور، حيث يتم التقاط الغاز قبل وصوله للمشعل، وضغطه ومعالجته لإعادة استخدامه كوقود أو مادة خام.
3. المرحلة الحديثة:
الاستدامة والرقمنة
اليوم، تعتمد تقنيات معالجة غاز الشعلة على:
- ضواغط عالية الكفاءة
- أنظمة تحكم ذكية
- مراقبة لحظية للانبعاثات
- نسب استرجاع تتجاوز 90% من الغاز المهدر
ثالثًا: أبرز تقنيات معالجة غاز الشعلة المستخدمة عالميًا
1. وحدات استرجاع غاز الشعلة (FGRU)
تعمل على التقاط الغاز، ثم تمريره بمراحل:
- الضغط
- الفصل
- التبريد
- إزالة السوائل
قبل إعادة استخدامه أو بيعه.
2. إعادة استخدام الغاز المعالج
يُستخدم الغاز في:
- تشغيل المولدات
- الأفران الصناعية
- إنتاج LPG أو CNG
ما يحوله من عبء بيئي إلى سلعة اقتصادية.
3. تحسين كفاءة المشاعل
من خلال تحديث المشاعل وأنظمة القياس لضمان احتراق كامل وتقليل انبعاثات الميثان غير المحترق.
4. الأنظمة المتكاملة لمعالجة غاز الشعلة
الأنظمة المتكاملة لمعالجة غاز الشعلة تمثل قمة التطور التقني في استرجاع الغاز المصاحب للنفط والغاز الطبيعي.
فهي ليست مجرد وحدة معالجة منفصلة، بل منظومة كاملة تربط بين عدة عمليات متتابعة لضمان الاستفادة القصوى من الغاز وتحويله إلى موارد اقتصادية صديقة للبيئة.
أولًا: التجميع
تبدأ العملية بتجميع الغاز من مواقع الإنتاج المختلفة، بما في ذلك الآبار والمشاعل الثانوية والثالثية.
ويتم تصميم أنظمة التجميع بحيث تجمع الغاز بكفاءة عالية دون تسربات، ما يقلل من فقدان الغاز ويحافظ على البيئة.
ثانيًا: الضغط
بعد التجميع، يُمرر الغاز عبر أنظمة ضغط متقدمة لرفع ضغطه إلى مستويات مناسبة للمعالجة أو الضخ في الشبكات الإنتاجية.
تعتمد هذه المرحلة على ضواغط ذكية لضمان أعلى كفاءة طاقية وأقل استهلاك للوقود المستخدم في التشغيل.
ثالثًا: الفصل الحراري
تلي مرحلة الضغط مرحلة الفصل الحراري، حيث يتم استخلاص المكونات الثقيلة والملوثات من الغاز المصاحب، مثل البروبان والبيوتان وبعض السوائل البترولية.
هذا الفصل يسمح بتحويل الغاز إلى منتجات قابلة للتسويق، مثل غاز البوتاجاز (LPG) أو الغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، ويزيد من قيمته الاقتصادية.

رابعًا: المعالجة الكيميائية
تعد المعالجة الكيميائية المرحلة الأخيرة في الأنظمة المتكاملة، وتشمل إزالة الكبريت، ثاني أكسيد الكربون، والمواد الملوثة الأخرى لضمان جودة الغاز المسترجع وصلاحيته للاستخدام الصناعي أو البيع التجاري.
تُستخدم في هذه المرحلة تقنيات متقدمة مثل الامتصاص الكيميائي والغسيل بالمذيبات لضمان أعلى درجات النقاء والكفاءة.
الفوائد المتحققة من الأنظمة المتكاملة
- زيادة نسبة الاسترجاع: يمكن استرجاع أكثر من 90% من الغاز المصاحب الذي كان يُحرق سابقًا.
- خفض الانبعاثات الضارة: تقليل انبعاثات الميثان وثاني أكسيد الكربون بشكل كبير، ما يساهم في مواجهة التغير المناخي.
- تحقيق عائد اقتصادي أكبر: إنتاج وقود صناعي ومنتجات طاقية قابلة للتسويق يعزز الأمن الطاقي ويخلق فرصًا استثمارية جديدة.
- الكفاءة التشغيلية: الأنظمة المتكاملة تقلل الهدر وتحسن استمرارية التشغيل، مع تقليل الحاجة للصيانة المكلفة مقارنة بالأنظمة التقليدية.
باختصار، الأنظمة المتكاملة لمعالجة غاز الشعلة ليست مجرد حل بيئي، بل استثمار استراتيجي يربط بين الاقتصاد والاستدامة والكفاءة التشغيلية، وهي نموذج يُحتذى به على المستوى الدولي لتقليل الهدر وتحقيق أقصى استفادة من الموارد
رابعًا: مدى فعالية تقنيات معالجة غاز الشعلة عالميًا
تشير الدراسات الدولية إلى أن التطبيق الصحيح لهذه التقنيات يمكن أن:
- يقلل الحرق الروتيني بنسبة تصل إلى 90%
- يخفض انبعاثات الميثان بشكل مباشر
- يرفع كفاءة الطاقة في مواقع الإنتاج
- يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي
ولهذا أصبحت تقنيات معالجة غاز الشعلة عنصرًا أساسيًا في خطط خفض الانبعاثات لدى كبرى شركات الطاقة العالمية.
خامسًا: الاتجاهات الدولية والمؤتمرات الداعمة لتقنيات معالجة غاز الشعلة
تتسارع الجهود الدولية نحو تعميم هذه التقنيات، من خلال:
- مبادرة Zero Routine Flaring by 2030
- تعهدات Global Methane Pledge
- إدراج معالجة غاز الشعلة ضمن معايير التمويل الأخضر
وتناقش هذه الملفات بانتظام في مؤتمرات عالمية مثل:
- ADIPEC
- Gastech
- EGYPS – مصر
حيث تُعرض أحدث الحلول التقنية ونماذج الشراكات.

سادسًا: الفوائد البيئية والاقتصادية لتقنيات معالجة غاز الشعلة
الفوائد البيئية
- خفض انبعاثات CO₂ والميثان
- تحسين جودة الهواء
- تقليل التأثيرات الصحية
الفوائد الاقتصادية
- خفض تكاليف التشغيل
- تحقيق وفر في استهلاك الوقود
- خلق فرص استثمارية جديدة
- تعزيز أمن الطاقة
وبذلك تصبح تقنيات معالجة غاز الشعلة ركيزة من ركائز الاقتصاد الدائري في قطاع الطاقة.
سابعًا: خطوات وطنية لترجمة الالتزامات إلى مشروعات فعلية
هناك اتجاه وطني يتحرك بخطوات واضحة نحو تطبيق تقنيات معالجة غاز الشعلة ضمن إطار وطني يستهدف رفع كفاءة الأداء البيئي للقطاع البترولي.
وانضمت مصر إلى مبادرة Zero Routine Flaring by 2030 التابعة للبنك الدولي، بمشاركة وزارة البترول والهيئة المصرية العامة للبترول، للقضاء على الحرق الروتيني للغاز بحلول 2030.
كما عززت التعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، ووقعت مذكرة تفاهم بين Baker Hughes والهيئة المصرية العامة للبترول خلال EGYPS 2022 لتطوير حلول إدارة واسترجاع الغاز.
وتنفذ وزارة البترول مشروعات تسترجع نحو 40 مليون قدم مكعبة يوميًا من الغاز، ما أسهم في خفض 1.347 مليون طن من CO₂ سنويًا، وتحقيق وفر اقتصادي يقترب من 2.8 مليار جنيه سنويًا.
ثامنًا: رؤية مستقبلية
تشير الاتجاهات العالمية إلى أن تقنيات معالجة غاز الشعلة ستتحول من خيار تقني إلى متطلب تنظيمي إلزامي، مع توسع التشريعات البيئية وزيادة تسعير الكربون.
ويعتمد نجاح هذه الرؤية على:
- استمرار التعاون الدولي
- نقل التكنولوجيا
- توطين الحلول
- دعم السياسات الحكومية
في ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا، تبرز تقنيات معالجة غاز الشعلة كأحد الحلول العملية التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية.
ومع تصاعد الالتزامات الدولية لخفض الانبعاثات وتعزيز كفاءة الطاقة، لم يعد التوسع في تطبيق هذه التقنيات خيارًا تكميليًا، بل أصبح مسارًا استراتيجيًا لضمان استدامة صناعة النفط والغاز.
ويظل نجاح هذا المسار مرهونًا باستمرار الاستثمار في التكنولوجيا، وتكامل السياسات الحكومية مع الشراكات الدولية، بما يعزز الانتقال نحو مستقبل طاقي أكثر كفاءة وأقل انبعاثًا.
فيديو .. لماذا تلجأ بعض الدول إلى حرق الغاز
المراجع
- استراتيجية خفض الانبعاثات وتحسين البيئة _ الموقع الإلكتروني لوزارة البترول والثروة المعدنية
- تقنيات معالجة غاز الشعلة _ الموقع الإلكتروني الهيئة العامة للاستعلامات
اقرأ أيضا:





