أصبح خفض انبعاثات غاز الشعلة أحد أكثر الملفات إلحاحًا على أجندة الطاقة العالمية، مع استهداف تحقيق ذلك بحلول عام 2030، في ظل تصاعد التحذيرات العلمية من تسارع وتيرة التغير المناخي، وتزايد الضغوط الدولية على قطاع النفط والغاز للحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
ولم يعد هذا الملف مجرد قضية بيئية هامشية أو خيارًا تنظيميًا يمكن تأجيله، بل تحول إلى محور رئيسي في السياسات الطاقية والمناخية للدول المنتجة والمستهلكة للطاقة على حد سواء.

وتنبع أهمية خفض انبعاثات غاز الشعلة من كونه يتموضع عند نقطة التقاء شديدة التعقيد بين اعتبارات المناخ، والأمن الطاقي، والاقتصاد، والجغرافيا السياسية، الأمر الذي يجعله مقياسًا حقيقيًا لقدرة الدول والشركات على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية ومتغيرات الاستدامة، وهو ما يسعى هذا المقال إلى تناوله بالتحليل والتفصيل.
جدول المحتويات
أولًا: خفض انبعاثات غاز الشعلة والتغير المناخي… مسار سريع للتأثير
تشير التقارير الدولية إلى أن الحرق الروتيني للغاز يسهم سنويًا في إطلاق كميات ضخمة من الانبعاثات المكافئة لثاني أكسيد الكربون، إلى جانب انبعاثات الميثان غير المحترق، الذي يُعد من أخطر الغازات الدفيئة قصيرة العمر وأكثرها تأثيرًا على الاحترار العالمي.

ومن هنا، يُنظر إلى خفض انبعاثات غاز الشعلة باعتباره أحد أسرع المسارات لتحقيق نتائج ملموسة في جهود الحد من التغير المناخي، مقارنة بقطاعات أخرى تتطلب تغييرات هيكلية عميقة أو استثمارات طويلة الأجل في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
ثانيًا: البعد الجغرافي… لماذا لا تتوزع الانبعاثات بشكل عادل؟
تكشف خرائط الانبعاثات العالمية عن تركّز واضح لغاز الشعلة في مناطق بعينها، خاصة في الدول المنتجة للنفط التي تواجه تحديات في البنية التحتية أو التمويل.
وغالبًا ما تتقاطع هذه الظاهرة مع:
- الحقول البعيدة عن مراكز الاستهلاك
- المناطق الصحراوية أو البحرية
- الاقتصادات الناشئة التي تضع أولوية للإنتاج السريع
في هذه السياقات، يصبح خفض انبعاثات غاز الشعلة تحديًا مركبًا يتجاوز الحلول التقنية ليشمل قرارات استثمارية وسياسات عامة طويلة الأمد.
ثالثًا: الجيوسياسة والاقتصاد… عندما تعرقل السياسة المناخ
تلعب الجغرافيا السياسية دورًا محوريًا في تحديد وتيرة التقدم نحو خفض الانبعاثات، لا سيما في الدول التي تعاني من:
- نزاعات مسلحة أو عدم استقرار أمني
- عقوبات اقتصادية تحد من الوصول إلى التمويل
- ضغوط مالية وديون مرتفعة
وفي هذه البيئات، غالبًا ما تتراجع الأولويات البيئية لصالح اعتبارات الاستقرار الاقتصادي أو السياسي، رغم إدراك الحكومات لأهمية خفض انبعاثات غاز الشعلة على المدى الطويل
رابعًا: التمويل… التحدي الأكبر أمام خفض الانبعاثات
يمثل التمويل حجر الزاوية في أي برنامج جاد لخفض الانبعاثات، حيث تتطلب هذه المشروعات استثمارات رأسمالية تشمل:
- إنشاء وحدات استرجاع غاز الشعلة
- تطوير أنظمة الضغط والفصل
- توسيع شبكات نقل الغاز
- تطبيق أنظمة مراقبة رقمية دقيقة
ورغم ارتفاع التكلفة الأولية، فإن العوائد الاقتصادية طويلة الأجل تعزز جدوى هذه المشروعات، خاصة عندما يتم استغلال الغاز المصاحب في:
- توليد الكهرباء لمواقع الإنتاج
- دعم الصناعات البتروكيماوية
- تقليل استيراد الوقود
- تعزيز الميزان التجاري للدولة

خامسًا: التشريعات والحوكمة… من التعهدات إلى التنفيذ
تُظهر التجارب الدولية أن النجاح في خفض انبعاثات غاز الشعلة لا يتحقق دون إطار تشريعي صارم، يشمل:
- حظر الحرق الروتيني
- فرض غرامات على الانبعاثات
- ربط التراخيص بخطط خفض واضحة
- إلزام الشركات بالإفصاح والشفافية
كما أن غياب الرقابة الفعالة غالبًا ما يحوّل الالتزامات المناخية إلى مجرد شعارات غير قابلة للتنفيذ.
سادسًا: القياس والشفافية… لا خفض دون بيانات
أصبحت تقنيات القياس الحديثة، وعلى رأسها الأقمار الصناعية، عنصرًا أساسيًا في مراقبة الانبعاثات والتحقق من التزام الدول والشركات. وتسهم هذه الأدوات في:
- كشف الانبعاثات غير المعلنة
- مقارنة الأداء بين الدول
- دعم التقارير الدولية
ويُعد توفر البيانات الدقيقة شرطًا لا غنى عنه لتحقيق خفض انبعاثات غاز الشعلة بصورة موثوقة وقابلة للتقييم.
سابعًا: الإعلام التقليدي والرقمي… قوة ناعمة لتغيير السياسات
لم يعد الإعلام مجرد وسيط لنقل الأخبار، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل السياسات البيئية. ففي ملف خفض انبعاثات غاز الشعلة، يلعب الإعلام دورًا محوريًا من خلال:
- تسليط الضوء على المناطق المتضررة
- ربط الانبعاثات بالصحة العامة
- كشف الفجوة بين التعهدات والتنفيذ
كما يتيح الإعلام الرقمي أدوات غير مسبوقة لنشر البيانات، ودعم الصحافة البيئية الاستقصائية، وبناء رأي عام ضاغط يدفع صناع القرار إلى التحرك.
ثامنًا: العدالة البيئية… من يدفع الثمن؟
غالبًا ما تتحمل المجتمعات القريبة من مواقع الإنتاج العبء الأكبر من التلوث، دون أن تنعكس عوائد الموارد على مستوى معيشتها.
ومن هنا، يرتبط خفض انبعاثات غاز الشعلة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العدالة البيئية، الذي يدعو إلى:
- حماية صحة السكان
- تقليل التلوث المحلي
- إشراك المجتمعات في القرارات
تاسعًا: خفض الانبعاثات كفرصة اقتصادية
على عكس التصور السائد، لا يعني خفض انبعاثات غاز الشعلة خسارة اقتصادية، بل قد يفتح آفاقًا جديدة للنمو، من خلال:
- تحسين كفاءة استخدام الموارد
- جذب التمويل الأخضر
- تعزيز تنافسية قطاع الطاقة
- تحسين الصورة الدولية للدولة
وبذلك يتحول خفض انبعاثات غاز الشعلة من عبء بيئي إلى أداة لتعظيم القيمة الاقتصادية.
عاشرًا: ما بعد 2030… إلى أين يتجه العالم؟
تشير الاتجاهات العالمية إلى أن خفض الانبعاثات سيتحول من التزام طوعي إلى التزام قانوني، مدعوم بتسعير الكربون وتشديد المعايير البيئية، مع تصاعد دور الإعلام والمجتمع المدني في الرقابة والمساءلة.
دراسة حالة | نموذج تطبيقي من مصر: كيف حققت «عجيبة للبترول» صفر غاز شعلة؟
في يناير 2025، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية نجاح شركة عجيبة للبترول وشركائها في تحقيق إنجاز بيئي غير مسبوق بتسهيلات الشركة في منطقة الصحراء الغربية، تمثّل في الوصول إلى معدل صفر غاز شعلة خلال عمليات المعالجة.
وجاء هذا النجاح ثمرة لإقامة وحدة متطورة لضغط غاز الشعلة، قادرة على ضغط نحو 2.5 مليون قدم مكعبة يوميًا من الغاز الناتج عن محطة الزيت، ليتم نقله ومعالجته بمحطة الغاز القائمة في حقول مليحة.
وأسهم هذا المشروع في تحقيق فائدة مزدوجة، تمثلت في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 70 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، إلى جانب تعزيز إنتاج الغاز المضغوط باعتباره منتجًا إضافيًا، بما يعكس التزام قطاع البترول المصري بتبني حلول مستدامة وتحقيق أهداف خفض الانبعاثات.
ختامًا، لم يعد خفض انبعاثات غاز الشعلة بندًا ثانويًا في تقارير الاستدامة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لجدية الدول والشركات في مواجهة التغير المناخي، ونقطة التقاء بين قضايا الطاقة والمناخ والعدالة الاجتماعية في عالم يتجه نحو محاسبة الإضرار الناجمة عن الكربون، فإن تجاهل هذا الملف لم يعد خيارًا ممكنًا.
فيديو..خفض انبعاثات غاز الشعلة وتقليل الانبعاثات الكربونية في حقول شركات البترول مؤتمر الطاقة 2024
المراجع:
- خفض انبعاثات غاز الشعلة _ الموقع الإلكتروني للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية
- عجيبة للبترول تحقق صفر انبعاثات لغاز الشعلة – الهيئة الوطنية للاستعلامات المصرية
اقرأ أيضًا:
- تقنيات معالجة غاز الشعلة عالميًا: استرجاع 40 مليون قدم مكعبة يوميًا
- مشروعات استرجاع غاز الشعلة في مصر .. 6 تجارب ناجحة تقلل الانبعاثات





