استدامة

عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي: 4 مراحل لتعزيز الاقتصاد الدائري

الغاز الحيوي يتكون غالباً من 50-70% ميثان و 30-40% ثاني أكسيد الكربون

تُعد عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي واحدة من الحلول المستدامة والمبتكرة وتتم عبر 4 مراحل  للتعامل مع النفايات العضوية وتحويلها إلى مورد للطاقة المتجددة و تجمع هذه التقنية بين حماية البيئة وتوليد الطاقة، مما يجعلها ركيزة أساسية في الاقتصاد الدائري.

ونستعرض خلال المقال التالي عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي ومراحلها المختلفة والفوائد الاقتصادية والبيئية لتلك المشروعات .

ما هي عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي؟

تُعرف عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي بأنها عملية بيولوجية طبيعية تقوم فيها كائنات حية دقيقة (بكتيريا) بتكسير المواد العضوية في غياب كامل للأكسجين. تتم هذه العملية داخل خزانات مغلقة تُسمى “المخمرات” (Digesters) وينتج عن هذة العملية الاتي :

  1. الغاز الحيوي (Biogas): خليط يتكون بشكل أساسي من غاز الميثان (CH_4) بنسبة 50-70%، وثاني أكسيد الكربون (CO_2) و يستخدم كوقود للطهي، أو لتوليد الكهرباء، أو كوقود للمحركات بعد تنقيته

  2. المهضومات (Digestates): هي البقايا الصلبة والسائلة الغنية بالعناصر الغذائية (نيتروجين، فسفور، بوتاسيوم)  تُستخدم كأسمدة عضوية عالية الجودة للتربة.

عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي
عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي

مراحل عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي 

تعتبر عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي  حلاً ذكياً للتخلص الآمن من النفايات العضوية، وإنتاج طاقة نظيفة ومستدامة وذلك من خلال 4 مراحل إنتاجية هي :

1. مرحلة التحلل المائي (Hydrolysis)

في هذه المرحلة الأولى من عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي يتم تكسير المواد العضوية المعقدة (البوليمرات) مثل الكربوهيدرات، البروتينات، والدهون إلى جزيئات أبسط (مونيمرات) قابلة للذوبان في الماء وتفرز البكتيريا إنزيمات خارجية لتحويل السليلوز إلى سكريات بسيطة، والبروتينات إلى أحماض أمينية، والدهون إلى أحماض دهنية وتعتبر هذه المرحلة “التمهيدية”، وبدونها لا تستطيع البكتيريا في المراحل التالية امتصاص الغذاء.

2. مرحلة التخمير أو تكوين الأحماض (Acidogenesis)

تقوم بكتيريا خاصة بتحويل النواتج الذائبة من المرحلة الأولى إلى مركبات كيميائية أبسط. ويتم إنتاج أحماض دهنية طيارة (VFAs) مثل حمض البروبيونيك وحمض البوتيريك، بالإضافة إلى الأمونيا، وثاني أكسيد الكربون، وبعض الكحوليات وتزداد حموضة الوسط في هذه المرحلة، وهو أمر يجب مراقبته بدقة لضمان استقرار الهاضم.

3. مرحلة تكوين حمض الخليك (Acetogenesis)

هنا يتم تحويل نواتج المرحلة السابقة (الأحماض الدهنية والكحوليات) إلى مواد يمكن لبكتيريا الميثان استهلاكها مباشرة وينتج عنها حمض الخليك (Acetate)، الهيدروجين (H_2)، وثاني أكسيد الكربون (CO_2) وتعد هذه المرحلة حساسة جداً لتركيز الهيدروجين في الوسط؛ لذا يجب أن يتم استهلاك الهيدروجين بسرعة بواسطة بكتيريا الميثان في المرحلة التالية.

4. مرحلة تكوين الميثان (Methanogenesis)

وهي المرحلة النهائية والأكثر حساسية،في عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي حيث تتدخل كائنات دقيقة تسمى “عتائق الميثان” (Methanogens) لإنتاج الغاز النهائي و الحصول على الغاز الحيوي الذي يتكون غالباً من 50-70% ميثان و 30-40% ثاني أكسيد الكربون وتتم عملية إنتاج الميثان عبر مسارين رئيسيين هما :

  • التكسير : يتم تكسير حمض الخليك إلى ميثان وثاني أكسيد الكربون.
  • الاتحاد : من خلال اتحاد الهيدروجين مع ثاني أكسيد الكربون لإنتاج الميثان والماء.

ولكي تسير هذه المراحل بتناغم، يجب توفر ظروف بيئية محددة داخل الهاضم الحيوي:

  • درجة الحرارة: غالباً ما تُجرى العملية في النطاق “الميزوفيلي” (35-40 درجة مئوية) أو “الثرموفيلي” (50-55 درجة مئوية).

  • الرقم الهيدروجيني (pH): يجب أن يظل قريباً من التعادل (6.5 – 8)؛ لأن بكتيريا الميثان تموت في الأوساط الحامضية.

  • نسبة الكربون إلى النيتروجين (C/N Ratio): النسبة المثالية تتراوح بين 20:1 و 30:1 لضمان تغذية متوازنة للبكتيريا.

عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي
عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي

الفوائد البيئية والاقتصادية لعمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي

1- الفوائد البيئية 

تلعب عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن البيئي من خلال :

  • تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة: بدلاً من ترك المخلفات العضوية (مثل فضلات الحيوانات وبقايا الطعام) تتحلل في الهواء الطلق وتطلق غاز الميثان —وهو غاز أقوى من ثاني أكسيد الكربون بـ 25 مرة في حبس الحرارة— يتم التقاط هذا الغاز واستخدامه كوقود.

  • الإدارة المستدامة للنفايات: تساهم في تقليل كمية النفايات المرسلة إلى المكبات، مما يقلل من تلوث التربة والمياه الجوفية بالراشح الكيميائي (Leachate).

  • إنتاج سماد عضوي عالي الجودة (Digestate): المادة المتبقية بعد عملية الهضم هي سماد غني بالمغذيات (نيتروجين، فوسفور، بوتاسيوم)، يعمل كبديل طبيعي للأسمدة الكيميائية التي تستهلك طاقة هائلة في تصنيعها وتضر بالتربة على المدى الطويل.

عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي
عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي

2. الفوائد الاقتصادية 

لم يعد يُنظر إلى النفايات كعبء مالي، بل كمورد اقتصادي ضخم بفضل عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي وما لها من فوائد اقتصادية كبيرة كالتالي :

  • إنتاج طاقة منخفضة التكلفة: يوفر الغاز الحيوي مصدراً محلياً للكهرباء والحرارة، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد ويحمي الاقتصادات من تقلبات أسعار الطاقة العالمية.

  • خلق فرص عمل: يتطلب إنشاء وتشغيل وصيانة محطات الغاز الحيوي عمالة متخصصة، مما يساهم في تنمية المناطق الريفية والصناعية وخلق “وظائف خضراء”.

  • تعزيز الاقتصاد الدائري (Circular Economy): من خلال تحويل مخلفات المصانع الغذائية والمزارع إلى طاقة تعود لتشغيل نفس هذه المصانع، يتم تقليل تكاليف التشغيل بشكل كبير.

  • عوائد إضافية للمزارعين: يمكن للمزارعين بيع الفائض من الكهرباء للشبكة القومية، أو بيع السماد العضوي الناتج، مما يحسن من دخلهم السنوي.

ختاماً، تمثل عمليات الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي ركيزة للتحول نحو الاقتصاد الدائري و معالجة المخلفات العضوية وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، بل يحولها إلى مصدر طاقة متجدد (الغاز الحيوي) وسماد عضوي غني. إن الاستثمار في هذه التقنية ليس مجرد خيار بيئي، بل هو ضرورة استراتيجية لتحقيق أمن الطاقة وحماية كوكبنا من التغير المناخي.

فيديو ..عملية الهضم اللاهوائي لإنتاج الغاز الحيوي

المراجع :

أقرأ ايضا : 

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكمياويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Index