استدامة

الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة : 3 مسارات لدعم التحول الطاقي

تعرف على 4 مراحل حيوية لإدارة النفايات وتحويلها إلى غاز حيوي 

يَعُد الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة من أبرز التحديات المجتمعية المعاصرة. وتبرز 3 مسارات عملية لتعزيز التحول الطاقي؛ إذ ساهم التطور التقني في تحويل هذه النفايات من عبء بيئي ومصدر للتلوث إلى مورد اقتصادي استراتيجي يوفر طاقة متجددة وأسمدة عضوية ذات كفاءة عالية.

وفيما يلي مقال تفصيلي يتناول العلاقة التكاملية والارتباط الوثيق بين الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة وفوائدها المتعددة ، مسلطاً الضوء بشكل دقيق على مراحل تحويل النفايات العضوية إلى غاز حيوي، مما يضمن في نهاية المطاف مستقبلاً أنظف وأكثر استدامة للأجيال القادمة.

دور الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة

تمثل النفايات العضوية ما يقرب من 50% إلى 60% من إجمالي حجم النفايات الصلبة البلدية التي تُجمع يومياً. وبدلاً من اتباع الأساليب التقليدية المتمثلة في التخلص منها في المكبات العمومية، يعمل نظام إنتاج الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة كأداة معالجة استراتيجية وفق المحاور التالية:

أ. تقليل الحجم الكلي للنفايات

عوضاً عن تراكم آلاف الأطنان في المرادم وما يتبع ذلك من مشاكل لوجستية، يتم تحويل المواد الصلبة عبر المعالجة البيولوجية إلى غاز وسوائل، مما يقلل بشكل ملموس من الحاجة إلى تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي لدفن النفايات وتخزينها لمدد طويلة.

الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة
الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة

ب. الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس

عندما تتحلل النفايات عضوياً بشكل عشوائي في المكبات المفتوحة، فإنها تطلق غاز الميثان مباشرة في الغلاف الجوي، وهو غاز يُصنف بأنه أقوى من ثاني أكسيد الكربون بـ 25 مرة في قدرته على الاحتباس الحراري. إن أنظمة الغاز الحيوي المتطورة تعمل على احتجاز هذا الميثان بفعالية واستخدامه كوقود نظيف، مما يحمي النظام البيئي من التدهور المناخي.

ج. معالجة سائل “الراشح” (Leachate)

تنتج النفايات العضوية المكدسة في المرادم سوائل كيميائية ملوثة تتسرب إلى باطن الأرض وتهدد سلامة المياه الجوفية. أما في محطات الغاز الحيوي الحديثة، فيتم التحكم الكامل في هذه السوائل داخل خزانات تفاعل مغلقة ومعالجتها تقنياً بأمان تام، مما يمنع وصول أي ملوثات للتربة.

الفوائد الاستراتيجية للغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة

تساهم تقنيات الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة في حل معضلات بيئية واقتصادية كبرى تواجه المدن والمجتمعات الريفية على حد سواء من خلال:

1.استدامة المرادم

عبر توجيه أطنان المواد العضوية لوحدات إنتاج الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة، يطول العمر التشغيلي للمكبات الحالية وتنتفي الحاجة للبحث عن مواقع طمر جديدة قد تكلفت الدولة مبالغ طائلة.

2.تحسين جودة الهواء والحد من الروائح

 إن معالجة النفايات في أنظمة تقنية مغلقة تمنع انتشار الروائح الكريهة المرتبطة بعمليات التخمر اللاهوائي التي تحدث عادة في الهواء الطلق، مما يحسن من جودة الحياة في المناطق القريبة.

الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة
الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة

3.دعم التحول الطاقي

 يوفر الغاز الحيوي مصدراً محلياً ومستقلاً للطاقة، يمكن استخدامه في توليد الكهرباء أو كوقود لوسائل النقل، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

مراحل تحويل النفايات العضوية إلى غاز حيوي

يعتبر تحويل الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة عملية حيوية وهندسية مذهلة تعتمد في جوهرها على ما يسمى “التخمير اللاهوائي” (Anaerobic Digestion). في هذه العملية المعقدة، تقوم أنواع متخصصة من الكائنات المجهرية بتفكيك المواد العضوية في بيئة معزولة تماماً عن الأكسجين لإنتاج طاقة متجددة، وإليكم تفاصيل مراحلها الأربع الأساسية:

1. مرحلة التحلل المائي (Hydrolysis)

تعتبر هذه المرحلة بمثابة الخطوة التمهيدية الضرورية، لعمليات الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة حيث تكون النفايات الخام (مثل بقايا الطعام، مخلفات المسالخ، أو مخلفات الزراعة) عبارة عن بوليمرات معقدة تشمل الكربوهيدرات، البروتينات، والدهون. في هذه الأثناء، تفرز البكتيريا إنزيمات خارجية متخصصة تقوم بتكسير هذه الجزيئات الضخمة وتحويلها إلى مركبات كيميائية أبسط قابلة للذوبان مثل السكريات الأحادية، الأحماض الأمينية، والأحماض الدهنية. وبدون نجاح هذه الخطوة، لا تستطيع البكتيريا في المراحل اللاحقة امتصاص المغذيات والقيام بوظائفها الحيوية.

الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة
الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة

2. مرحلة التخمير أو “تكوين الأحماض” (Acidogenesis)

في هذه المرحلة، يتم استهلاك النواتج الذائبة الناتجة عن المرحلة الأولى بواسطة بكتيريا مكونة للأحماض؛ حيث تتحول السكريات والأحماض الأمينية إلى أحماض دهنية قصيرة السلسلة (مثل حمض الفاليريك وحمض البوتيريك)، بالإضافة إلى نواتج ثانوية تشمل الأمونيا، وثاني أكسيد الكربون، والهيدروجين. وتجدر الإشارة إلى أن الرائحة المميزة لعمليات التخمر تبدأ بالظهور بوضوح في هذه المرحلة نتيجة لتكون هذه الأحماض العضوية.

3. مرحلة تكوين الخليك (Acetogenesis)

هنا يتم تبسيط النواتج الكيميائية بشكل أكبر لتصبح جاهزة تقنياً للتحول إلى غاز؛ حيث تقوم بكتيريا معينة بتحويل الأحماض الدهنية الناتجة من المرحلة السابقة إلى حمض الخليك (Acetate)، وهيدروجين، وثاني أكسيد الكربون. وتعد هذه المرحلة حساسة جداً من الناحية البيولوجية؛ فإذا زاد تركيز الهيدروجين بشكل كبير داخل الهاضم، قد تتوقف العملية برمتها، لذا يجب أن تعمل هذه البكتيريا بتناغم دقيق مع بكتيريا المرحلة الأخيرة لضمان استقرار التفاعل.

4. مرحلة تكوين الميثان (Methanogenesis)

هذه هي المرحلة النهائية والأكثر أهمية في دورة الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة، حيث يتم إنتاج الغاز الحيوي الفعلي. تقوم ميكروبات متخصصة تسمى “مخلفات الميثان” (Methanogens) باستهلاك حمض الخليك والهيدروجين لإنتاج غاز الميثان وثاني أكسيد الكربون  وتكون النتيجة النهائية هي غاز حيوي يتكون عادة بنسبة تتراوح من 50% إلى 75% من الميثان، وهو الغاز القابل للاشتعال الذي نستخدمه كوقود حراري أو لتوليد الطاقة الكهربائية، مخلفاً وراءه مادة عضوية غنية تُستخدم كسماد (Digestate).

ختاماً، يتضح لنا جلياً أن نجاح تكامل الغاز الحيوي وإدارة النفايات الصلبة يتطلب تكاتفاً وثيقاً بين السياسات الحكومية التشجيعية والوعي المجتمعي بأهمية فرز النفايات من المصدر.

إن التحول الجذري نحو تثمين النفايات بدلاً من طمرها سيعيد صياغة المشهد البيئي العالمي، محولاً التحديات المناخية الصعبة إلى فرص استثمارية واعدة تدعم الاقتصاد الأخضر.

لقد حان الوقت لتفعيل تقنيات التحلل اللاهوائي على نطاق واسع في مدننا، لتصبح النفايات العضوية هي وقود المستقبل الأخضر ومحرك التنمية المستدامة.

فيديو .. التخمير الجاف للنفايات الصلبة وتحويلها إلى غاز حيوي وطاقة

المراجع :

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكمياويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Index