بتروكيماويات

مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات .. آفاق جديدة بحلول 2030

الهيدروجين الأخضر ركيزة التحول منخفض الكربون في صناعة البتروكيماويات

يُمثّل مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات آفاقًا واعدة لتحول جذري في مسار الصناعة، إذ يُنتظر أن يكون عام 2030 بمثابة «ساعة الصفر» لخفض الانبعاثات في القطاعات صعبة الخفض (Hard-to-Abate Sectors)، والانطلاق الفعلي نحو الاعتماد على الهيدروجين الأخضر، ولا سيما في صناعة البتروكيماويات التي تُعد من أكثر القطاعات تحديًا على صعيد إزالة الكربون.

وفي هذا الإطار، تتسابق دول العالم لوضع خطط طموحة لإنتاج مواد كيميائية نظيفة، ودعم التحول المستدام لصناعة البتروكيماويات خلال العقود المقبلة.

ويبرز الهيدروجين الأخضر، بوصفه مادة خام (Feedstock) رئيسية، في إنتاج الأمونيا والإيثانول الأخضرين، واستخدامهما كوقود نظيف في عمليات التكرير، حيث لا يقتصر دوره على كونه مصدرًا بديلًا للطاقة، بل يمتد ليشكّل عنصرًا ثوريًا يعيد صياغة أسس ومفاهيم العمليات الإنتاجية داخل المصافي.

نرصد في هذا المقال أبرز ملامح مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات، مستعرضًا دوره المحوري في تطوير الصناعة الحديثة، وما يحققه من مكاسب استراتيجية على المستويين الاقتصادي والبيئي، كما يُعد هذا المسار ركيزة أساسية لإعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، وتعزيز القدرة التنافسية عالميًا، وفتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج ما يُعرف بـ«الكيماويات الخضراء»، التي يُنتظر أن ترسم ملامح الأسواق الدولية مستقبلًا، وتسهم في تعزيز استقرار سلاسل الإمداد الصناعية.

مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات

يشكّل الهيدروجين الأخضر أحد أهم ملامح التحول العالمي نحو صناعة بتروكيماويات منخفضة الكربون، في ظل تصاعد الضغوط البيئية والتشريعات الدولية الرامية إلى خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.

ولم يعد الحديث عن الهيدروجين الأخضر مجرد خيار بديل للطاقة، بل أصبح ركيزة استراتيجية لإعادة هيكلة سلاسل القيمة الصناعية، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والمواد الخام.

ومن هنا، يبرز دوره المتنامي في تكنولوجيا البتروكيماويات باعتباره عنصرًا محوريًا قادرًا على إحداث نقلة نوعية في مفاهيم الإنتاج، وتعزيز الاستدامة، وفتح آفاق جديدة للابتكار الصناعي خلال العقود المقبلة.

ماهو الهيدروجين الأخضر وآلية إنتاجه؟

الهيدروجين الأخضر هو نوع من أنواع الهيدروجين يُنتَج بطرق صديقة للبيئة دون التسبب في أي انبعاثات كربونية، ويُعد أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة والمواد الخام المستقبلية للصناعات الثقيلة، وفي مقدمتها صناعة البتروكيماويات.

ويتم إنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال عملية التحليل الكهربائي للماء (H₂O)، حيث تُفصل جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام أجهزة متطورة تُعرف بـ«المحللات الكهربائية» (Electrolyzers).

ويُشترط لتصنيفه كهيدروجين أخضر أن تعتمد الكهرباء المستخدمة في هذه العملية بالكامل على مصادر طاقة متجددة، مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، بما يضمن إنتاجه دون أي انبعاثات ضارة.

ويعتمد مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات على كفاءة هذه المحللات وقدرتها على توفير كميات كبيرة من الهيدروجين عالي النقاء، القادر على تلبية متطلبات التفاعلات الكيميائية المعقدة، ودعم التحول نحو عمليات إنتاج أكثر استدامة.

مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات
مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات

مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات خارطة الصناعة

تعتمد صناعة البتروكيماويات حاليًا وبشكل واسع على «الهيدروجين الرمادي» المُستخلص من الغاز الطبيعي، وهي عملية ينتج عنها كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون كمنتج ثانوي، ما يجعلها من أبرز مصادر الانبعاثات في القطاع الصناعي.

وفي المقابل، يُمثل الاستثمار في مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات نقطة تحول محورية، من شأنها إحداث تغيير جذري عبر عدة محاور أساسية، أبرزها:

  1. إنتاج الأمونيا الخضراء: تُعد الأمونيا المكوّن الأساسي لصناعة الأسمدة عالميًا، وتُنتج حاليًا عبر عملية «هابر-بوش» التقليدية التي تعتمد على الهيدروجين المستخلص من الوقود الأحفوري، ومع دمج الهيدروجين الأخضر في صناعة البتروكيماويات، يصبح بالإمكان استبدال الهيدروجين الأحفوري بنظيره الأخضر لإنتاج أسمدة «صفرية الكربون»، ما يفتح سوقًا واعدًا سريع النمو لتلبية احتياجات الزراعة المستدامة ودعم الأمن الغذائي العالمي.

  2. الميثانول الأخضر: يُعرف الميثانول بأنه “حجر الزاوية” في الكيمياء العضوية؛ ومن خلال دمج الهيدروجين الأخضر مع ثاني أكسيد الكربون المحتجز من الجو، يمكن إنتاج ميثانول مستدام يُستخدم في صناعة البلاستيك والدهانات وحتى كوقود نظيف للسفن، مما يعزز مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات.

  3. وقود الطائرات المستدام (SAF): تتجه الأبحاث الآن نحو تحويل الهيدروجين النظيف والكربون إلى وقود نفاث اصطناعي، مما يحل معضلة الانبعاثات في قطاع الطيران، ويؤكد أهمية مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات كبديل للبطاريات التقليدية التي يصعب استخدامها في الطائرات الكبيرة.

مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات
مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات

فوائد مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات للمصافي والبنية التحتية

تستخدم مصافي التكرير الهيدروجين في عمليات “التكسير الهيدروجيني” (Hydrocracking) وإزالة الكبريت (Desulfurization) لتحسين جودة الوقود الناتج.

وهنا يبرز مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات كأداة لخفض البصمة الكربونية لهذه العمليات بشكل مباشر، بالإضافة إلى دوره في معالجة الزيوت النباتية والدهون لتحويلها إلى وقود حيوي متطور، مما يقلل من الاعتماد على النفط الخام التقليدي ويحمي البيئة.

الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية للتحول الأخضر

تمثل تكنولوجيا البتروكيماويات المستهلك الأكبر للهيدروجين حالياً، والتحول للأخضر يوفر مزايا استراتيجية تشكل مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات.

  • أولاً، يحقق هذا التحول استقلالية الطاقة ويقلل من تذبذب الأسعار المرتبط بالغاز الطبيعي والتوترات الجيوسياسية.
  • ثانياً، يسهم في تجنب “ضرائب الكربون” الدولية ، مما يمنح المنتجات الخضراء ميزة تنافسية كبرى.
  • ثالثاً، يتيح تحويل الأصول القائمة ودمج وحدات التحليل الكهربائي في المجمعات الحالية دون الحاجة لهدم البنية التحتية بالكامل.
مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات
مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات

الفوائد البيئية وتحقيق “صفر انبعاثات”

تساهم الصناعة حالياً بنسبة كبيرة من غازات الاحتباس الحراري، لكن مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات يغير هذه المعادلة من خلال “إزالة الكربون من المادة الخام”. فبدلاً من تفاعل إصلاح الميثان بالبخار (SMR) الذي ينتج ثاني أكسيد الكربون

ختاماً، لا يُمثل الهيدروجين الأخضر مجرد بديل للوقود، بل هو حجر الزاوية في إعادة صياغة المفاهيم الصناعية. إن مستقبل الهيدروجين الأخضر في تكنولوجيا البتروكيماويات يفتح مجال غير مسبوقة لإنتاج مواد البتروكيماويات الخضراء التي تتوافق مع المعايير البيئية العالمية الصارمة.

لقد بات نجاح القطاع مرهوناً بمدى قدرته على تطويع هذه الجزيئات النظيفة، لتحويل الصناعة من مصدر للانبعاثات إلى شريك أساسي في بناء اقتصاد عالمي منخفض الكربون ومستدام للأجيال القادمة.

فيديو .. وقود المستقبل – الهيدروجين الأخضر بديلاً للنفط

المراجع : 

أقرأ ايضا :

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكمياويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى