استدامة

الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر : 5 محاور للوصول إلي مفتاح الصفر الكربوني

انبعاثات النفايات تتجاوز تأثير الكربون في الاحتباس الحراري بـ 25 ضعفاً

يمثّل التحول نحو الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر ركيزةً استراتيجيةً لاستدامة المجتمعات وتحقيق نموها المستقبلي، مستندًا إلى 5 محاور أساسية تدعم الانتقال إلى نموذج اقتصادي منخفض الكربون. ويُعد هذا التحول حلًا جذريًا يربط بكفاءة بين عدة ملفات حيوية، في مقدمتها الإدارة المتكاملة للنفايات، وإنتاج الطاقة النظيفة، وتعزيز منظومة الأمن الغذائي.

ويسلّط هذا المقال الضوء على الدور المحوري الذي يلعبه الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر بوصفهما أحد المسارات الرئيسية للنمو الاقتصادي، موضحًا كيف يسهم هذا التكامل الفريد في دفع عجلة الإنتاج الصناعي والزراعي، مع ضمان أعلى معايير حماية البيئة والحد من التلوث والتدهور البيئي.

أهمية الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

إن مفهوم الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر ليس مجرد شعار بيئي، بل هو نموذج اقتصادي متكامل يهدف بالدرجة الأولى إلى تحسين رفاهية الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأجيال، مع العمل الجاد على الحد بشكل كبير من المخاطر البيئية وندرة الموارد.

وفي هذا الإطار، يبرز الغاز الحيوي كلاعب لا غنى عنه، حيث يساهم في تحقيق هذا التحول عبر خمسة محاور استراتيجية:

أ- الإدارة المستدامة والشاملة للنفايات

بدلاً من الممارسات التقليدية الضارة مثل حرق المخلفات الزراعية في الحقول أو تركها لتتحلل عشوائياً في المكبات، مما يطلق غاز الميثان (وهو غاز دفيئة تفوق قدرته على الحبس الحراري غاز ثاني أكسيد الكربون بـ 25 مرة)، يتم تجميع هذه النفايات ومعالجتها تقنياً. هذا التحول يحول “العبء البيئي” الذي كان يؤرق البلديات والمزارعين إلى “مورد اقتصادي” يدر دخلاً مستمراً.

الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر
الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

ب- إنتاج طاقة نظيفة ومستمرة ومتعددة الاستخدامات

ما يميز الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر عن مصادر الطاقة المتجددة الأخرى مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية هو موثوقيته؛ فهو يوفر ما يسمى بطاقة “الحمل الأساسي” (Baseload power) التي لا تتأثر بتقلبات الطقس أو غياب الشمس. ويمكن استغلال هذه الطاقة في مسارات متعددة تشمل:

  • توليد الكهرباء والحرارة للمصانع والمنازل.
  • توفير وقود آمن ونظيف للطهي، خاصة في المناطق الريفية البعيدة.
  • تكريره كيميائياً ليصبح “بيوميثان” عالي الجودة، مما يسمح بضخه في شبكات الغاز الطبيعي الوطنية أو استخدامه كوقود حيوي للمركبات الثقيلة والحافلات.

ج- تعزيز الزراعة العضوية عبر السماد الحيوي

 لا تتوقف فوائد الهضم اللاهوائي عند إنتاج الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر ، بل تمتد للمخرج الثاني وهو “المخلفات المهضومة” (Digestat). هذا المنتج هو سماد عضوي فائق الجودة، غني بالنيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم في صورة يسهل على النبات امتصاصها. إن الاعتماد عليه يقلل بشكل جذري من استهلاك الأسمدة الكيماوية التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة في تصنيعها وتسبب تلوثاً طويل الأمد للتربة والمياه.

د- تقليل الانبعاثات الكربونية الكلية

تساهم العلاقة بين الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر في خفض الاعتماد الكلي على الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز الطبيعي)، مما يقلص البصمة الكربونية للدول ويساعدها في الوصول إلى أهداف “الحياد الكربوني” التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية.

الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر
الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

هـ- دعم وترسيخ مبادئ الاقتصاد الدائري

هنا تكتمل الحلقة؛ حيث لا توجد نفايات في هذا النظام، بل موارد يتم إعادة تدويرها في دورة مغلقة باستمرار. الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر يغذي الطاقة، وما يتبقى من عملية الإنتاج يعود للتربة لزيادة إنتاجيتها، مما يخلق تناغماً كاملاً بين الاستهلاك والإنتاج.

الفوائد البيئية للغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

يلعب الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر دوراً جوهرياً في حماية كوكبنا من خلال تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة بشكل مباشر عبر احتجاز الميثان ومنع تسربه. كما يساهم في الإدارة المستدامة للنفايات، مما يقلل من المساحات المطلوبة للمكبات ويحمي المياه الجوفية من التسربات السامة.

علاوة على ذلك، فإن إنتاج الأسمدة العضوية (الديجيستات) يعيد بناء التربة المنهكة، بينما يساهم في المناطق الريفية في دعم التنوع البيولوجي عبر الحد من قطع الأشجار الجائر للحصول على الحطب.

الفوائد الاقتصادية للغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

تمتلك تكنولوجيا الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر جدوى اقتصادية عالية تدعم استقرار الدول:

  • أمن الطاقة: توفير مصدر محلي يقلل الارتباط بالأسواق العالمية المتقلبة ويخفض فاتورة الاستيراد، مما يحسن ميزان المدفوعات.
  • خلق فرص العمل: يوفر القطاع آلاف الوظائف في الهندسة، الصيانة، وجمع ونقل المخلفات، مما ينعش المناطق الريفية.
  • تحويل النفايات إلى أصول: بدلاً من إنفاق الأموال للتخلص من النفايات، تصبح النفايات مادة خام تدر ربحاً، وهذا هو جوهر الذكاء الاقتصادي الحديث.
الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر
الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر

و خِتَامًا، يُعد تبني تقنيات الغاز الحيوي والاقتصاد الأخضر تجسيداً عملياً لمبادئ الاقتصاد الدائري. ومع تسارع التغيرات المناخية، لم يعد الاستثمار في هذا القطاع ترفاً، بل ضرورة استراتيجية. إننا أمام فرصة حقيقية لإعادة رسم العلاقة بين الإنسان والبيئة، حيث يصبح الاقتصاد محركاً للإصلاح لا سبباً في الاستنزاف. إن المستقبل الأخضر يبنى الآن مع كل وحدة إنتاج، وهو دعوة للاستثمار في “الذهب الأخضر” لضمان غدٍ أفضل للأجيال القادمة.

فيديو .. الغاز الحيوي داعم للاقتصاد وداعم للمناخ

المراجع :

أقرأ ايضا : 

 

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والبتروكمياويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى