استدامة

خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية.. 3 تطبيقات لتعزيز الاستدامة

استغلال فائض طاقة الرياح للمنصة في تشغيل وحدات التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين الأخضر

يمثل خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية أحد المسارات التي تتجه إليها شركات النفط والغاز لتقليل البصمة الكربونية لعمليات الإنتاج، بالتوازي مع الحفاظ على أمن إمدادات الطاقة، ويعتمد هذا التوجه على 3 تطبيقات رئيسية تشمل ربط المنصات البحرية بمزارع الرياح، وتغذية المنشآت البرية بالكهرباء المتجددة، والاستفادة من فائض الطاقة في إنتاج الهيدروجين الأخضر، بما يدعم كفاءة التشغيل ويعزز جهود التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

نستكشف في هذا المقال الأبعاد الاستراتيجية ل خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية ونسلط الضوء على بعض التجارب العالمية الناجحة والرؤية المستقبلية على النطاق الإقليمي والعالمي.

لماذا يعد خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية هدفاً استراتيجياً؟

وفقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية بعنوان The Oil and Gas Industry in Energy Transitions، فإن عمليات إنتاج النفط والغاز ونقله ومعالجته مسؤولة عن نحو 15% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالطاقة على مستوى العالم الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات لا يأتي من احتراق المنتج النهائي، بل من انبعاثات النطاق 1 و2 داخل المنشأة نفسها.

المصدر الرئيسي هو التوربينات الغازية التي تعمل على مدار الساعة لتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل الحفر والضخ والتبريد ومعالجة الغاز في المنصات البحرية هذه التوربينات تستهلك جزءاً من الغاز المستخرج وتنبعث منها كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.

تشير تقديرات القطاع إلى أن مجمعات الإنتاج البحرية الكبرى يمكن أن تستهلك ما بين 20 إلى 50 ميجاوات بشكل مستمر، وقد تصل إلى 100 ميجاوات في المنشآت المتكاملة، وهنا يبرز دور خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية كبديل مباشر لتلك التوربينات الغازية.

خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية
خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية

كيف تعمل آلية خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية؟

المبدأ بسيط فنياً: استبدال جزء أو كل الطاقة المولدة بالغاز بتوربينات رياح برية أو بحرية مرتبطة مباشرة بالمنشأة. وهناك ثلاثة نماذج تطبيقية معتمدة:

أولاً: الربط المباشر للمنصات البحرية (Offshore Electrification)

وهو النموذج الأكثر نضجاً لتطبيق خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية يتم إنشاء مزرعة رياح عائمة أو ثابتة بالقرب من حقل النفط البحري وربطها بكابل بحري عالي الجهد بالمنصة. في هذه الحالة، تعمل توربينات الرياح كمصدر أساسي، بينما تبقى التوربينات الغازية كاحتياطي عند انخفاض سرعة الرياح. هذا النظام يقلل من استهلاك الوقود الغازي على المنصة نفسها.

خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية
خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية

ثانياً: تغذية المنشآت البرية (Onshore Integration)

في حقول النفط البرية ومصافي التكرير ومحطات الضخ، يتم تركيب توربينات رياح برية لتغذية وحدات المعالجة ووحدات تحلية المياه المصاحبة وأنظمة الإضاءة والتحكم. في مصر على سبيل المثال، تمتلك مناطق خليج السويس وجبل الزيت متوسط سرعة رياح سنوي يتجاوز 10 أمتار في الثانية، وهي مناطق قريبة من منشآت بترولية قائمة.

ثالثاً: إنتاج الهيدروجين الأخضر المساعد

تستخدم كهرباء الرياح الزائدة عن حاجة المنصة لتشغيل وحدات تحليل كهربائي لإنتاج هيدروجين أخضر يستخدم لاحقاً في عمليات التكرير بدلاً من الهيدروجين الرمادي المنتج من الغاز الطبيعي، مما يعمل على خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية في سلسلة القيمة.

الأثر الكربوني الحقيقي لطاقة الرياح

حتى تكون المقارنة موضوعية، يجب النظر إلى دورة الحياة الكاملة. ووفقاً لمراجعة علمية أجراها المختبر الوطني للطاقة المتجددة في الولايات المتحدة NREL، فإن طاقة الرياح تنتج حوالي 11 جراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط/ساعة خلال دورة حياتها الكاملة.

هذا الرقم يقارن بـ 486 جراماً للغاز الطبيعي وحوالي 1001 جرام للفحم. بمعنى آخر، البصمة الكربونية للفحم أكبر بنحو 91 مرة من بصمة الرياح.

كما أن فترة استرداد الكربون، وهي المدة التي تحتاجها التوربينة لتعويض الانبعاثات الناتجة عن تصنيعها، تتراوح بين 5 إلى 12 شهراً فقط، بينما تعمل التوربينة لمدة 20 إلى 25 سنة بشكل شبه خالٍ من الانبعاثات المباشرة وهذه الأرقام هي الأساس العلمي الذي يجعل خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية خياراً قابلاً للقياس والمحاسبة.

تجارب عالمية موثقة بالأرقام

أصبح خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية واقعاً تشغيلياً تقاس نتائجه بالأرقام. تجارب في بحر الشمال أثبتت أن ربط مزارع الرياح البحرية العائمة مباشرة بمنصات النفط والغاز يمكن أن يخفض مئات الآلاف من الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.

مشروع Hywind Tampen في النرويج

يعد مشروع Hywind Tampen الذي تديره شركة Equinor مزرعة رياح عائمة تزود منصات نفط وغاز بالطاقة مباشرة. المشروع يتكون من 11 توربينة عائمة بقدرة إجمالية 88 ميجاوات، ويربط خمس منصات إنتاج في حقلي Snorre وGullfaks في بحر الشمال ويعتبر هذا المشروع مثالاً متقدماً على تطبيقات الرياح في البيئات البحرية العميقة.

بحسب البيانات الرسمية من الشركة، يغطي المشروع حوالي 35% من احتياجات المنصات السنوية من الكهرباء، ويخفض الانبعاثات بنحو 200,000 طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، بالإضافة إلى خفض 1,000 طن من أكاسيد النيتروجين. هذا يعادل الانبعاثات السنوية لحوالي 100,000 سيارة خاصة.

مشروع Troll للكهرباء من الشاطئ

في نفس السياق، تعمل Equinor على مشروع تزويد منصتي Troll B وTroll C بكهرباء من الشاطئ عبر كابل بحري بقدرة 150 ميجاوات يمتد لمسافة 65 كم وتشير البيانات الرسمية بعد التشغيل الجزئي في سبتمبر 2024 إلى أن المشروع سيخفض الانبعاثات السنوية بنحو 250,000 طن وتعد هذه التجربة نموذجاً مكملاً لـ خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية عبر الربط بالشبكة البرية.

هذه المشاريع تشير إلى أن خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية دخل مرحلة التشغيل الأولي، رغم استمرار اعتماده على الدعم الحكومي.

الفوائد الاقتصادية والتشغيلية

  1. تقليل تكلفة الوقود المستهلك ذاتياً: عندما تستخدم المنصة غازها الخاص لتوليد الكهرباء، فهي تخسر جزءاً من منتجها القابل للبيع كل ميجاوات يتم توليدها من الرياح تعني غازاً إضافياً يمكن تصديره.
  2. تجنب تكاليف الكربون: في مناطق مثل الاتحاد الأوروبي والنرويج، تخضع المنشآت لنظام تداول الانبعاثات EU ETS. كل طن يتم خفضه يوفر تكلفة تتراوح بين 65 و90 يورو وفقاً لأسعار 2024، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية لخفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية.
  3. إطالة عمر الحقول: خفض استهلاك الطاقة يقلل من تآكل التوربينات الغازية ويخفض تكاليف الصيانة، مما يحسن اقتصاديات الحقول الناضجة.
  4. تحسين التصنيف البيئي: وفقاً لتقرير آيرينا World Energy Transitions Outlook، فإن الوصول إلى هدف 2000 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية بحلول 2050 يتطلب استثمارات ضخمة. الشركات التي تطبق حلول الرياح في منشآتها قد تحصل على تمويل بشروط أفضل.

مستقبل التكامل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تمتلك مصر والسعودية والإمارات مقومات لتطبيق خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية فمناطق خليج السويس تمتلك أحد أعلى معدلات سرعة الرياح في العالم، وهي قريبة من مراكز إنتاج البترول في رأس غارب ورأس شقير.

تستهدف استراتيجية الطاقة المصرية المحدثة حتى 2040 رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030 و60% بحلول 2040، مما يفتح المجال أمام توسع خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية في خليج السويس.

عالمياً، يتوقع تقرير IEA Offshore Energy Outlook أن يزداد توليد الكهرباء من الرياح البحرية بأكثر من عشرة أضعاف حتى عام 2040، مدفوعاً بسياسات داعمة في أوروبا والصين والشرق الأوسط.

في الختام، إن خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية ليس بديلاً عن التحول الطاقي، بل هو إجراء انتقالي لتقليل البصمة التشغيلية بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% في المنصات التي يتم تحويلها، باستخدام تكنولوجيا مجربة وتكاليف متناقصة.

إن تجربة Hywind Tampen تشير إلى إمكانية استمرار إنتاج الطاقة مع خفض الانبعاثات الكربونية بطاقة الرياح في المنشآت البترولية والخطوة القادمة ليست تقنية فقط، بل تنظيمية، تتطلب دمج تخطيط حقول النفط مع تخطيط شبكات الرياح منذ مرحلة التصميم.

فيديو .. أكبر مزرعة رياح عائمة تزود منصات البترول بالكهرباء

المراجع :

أقرأ أيضاً:

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في اقتصاديات البترول والبتروكيماويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى