استدامة

خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري.. استراتيجية متكاملة نحو الحياد الصفري 2050

قراءة تحليلية في استراتيجية البترول بين تحديات البنية التحتية القديمة وآفاق التحول لمركز إقليمي للطاقة الخضراء

يمثل خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري محورًا أساسيًا ضمن استراتيجية وزارة البترول والثروة المعدنية، التي تتماشى مع الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 والمساهمات المحددة وطنيًا، عبر تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الفاقد، وجذب الاستثمارات المرتبطة بالتحول الأخضر والاقتصاد منخفض الكربون.

واستضافت مصر قمة المناخ COP27 في شرم الشيخ عام 2022، وشاركت في مؤتمرات الأطراف اللاحقة، وأكدت التزامها بخفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول والقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

يسلط هذا المقال الضوء على الجهود العملية لـ خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري، بدءًا من تحسين كفاءة الطاقة وترشيد استهلاكها، والعمل على إنهاء الحرق الروتيني للغازات بحلول عام 2030 وفقًا لمبادرة البنك الدولي، مرورًا بمراقبة تسريبات الميثان وتوظيف التقنيات الحديثة، لتوضيح كيفية تحول القطاع إلى عنصر داعم للتنمية المستدامة والنمو الأخضر.

خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري بوابة نحو الاستدامة

يعد قطاع البترول بطبيعته كثيف استهلاك الطاقة، مما يجعله خاضعا لمعايير بيئية مشددة. لذلك ظهرت الحاجة إلى سياسات عملية لخطط خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري عبر جميع مراحل العمل من الاستكشاف والإنتاج إلى التكرير والتوزيع والتداول وتتمثل الدوافع الرئيسية لهذه السياسات في ثلاثة محاور رئيسية:

  • أولا الالتزام الوطني والدولي: تنفيذ مستهدفات رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة، والالتزام باتفاقية باريس واتفاقيات المناخ الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة.
  • ثانيا الكفاءة التشغيلية والاقتصادية: إن تقليل حرق الغاز وترشيد استهلاك الطاقة ينعكس مباشرة على خفض التكاليف التشغيلية وتحقيق وفورات مالية للدولة والشركاء.
  • ثالثا تعزيز التنافسية العالمية: سعي الشركات العاملة في مصر لتحسين أدائها البيئي لتكون قادرة على النفاذ إلى الأسواق العالمية وصناديق الاستثمار التي تضع المعايير البيئية شرطا للتمويل، خاصة مع تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية CBAM.
خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري
خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري

استراتيجية وزارة البترول: محاور العمل لخفض البصمة الكربونية

تعتمد وزارة البترول والثروة المعدنية على خطة عمل متعددة المسارات لتحقيق خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري. ترتكز هذه الاستراتيجية على ستة محاور تكمل بعضها لضمان نتائج قابلة للقياس:

1.ترشيد استهلاك الطاقة وتحسين الكفاءة التشغيلية

تستهلك المجمعات البترولية ومصافي التكرير كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل الضواغط والمضخات وأفران التكرير وتم تطبيق أنظمة إدارة الطاقة المتقدمة وفقا للمعايير العالمية مثل ISO 50001، وتشمل تحديث المعدات القديمة واسترجاع الحرارة المفقودة Waste Heat Recovery في وحدات التكرير والبتروكيماويات لاستخدامها في توليد البخار أو الكهرباء، مما يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي ويعمل على خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول بشكل مباشر .

2.العمل على إنهاء الحرق الروتيني للغازات بحلول 2030

انضمت مصر عام 2017 إلى مبادرة البنك الدولي للقضاء على الحرق الروتيني بحلول 2030، وتعمل على إنشاء شبكات تجميع متطورة لنقل الغازات المصاحبة والاستفادة منها كوقود أو كلقيم للصناعات البتروكيماوية، وقد أسفرت 22 مشروعا تهدف إلي خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول منفذا عن خفض سنوي يتجاوز مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.

3.مراقبة تسريبات غاز الميثان

يعتبر غاز الميثان من أقوى غازات الاحتباس الحراري تأثيرا على المدى القصير. لذا تم إطلاق برامج وطنية لرصد الميثان في المواقع البترولية باستخدام تقنيات متطورة تشمل الطائرات بدون طيار المزودة بكاميرات حرارية ومجسات ليزر لاكتشاف أي تسريب وإصلاحه بشكل فوري، وهو ما يعزز جهود خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول ويتماشى مع تعهد الميثان العالمي الذي انضمت له مصر عام 2022.

خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري
خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري

4.تقنيات احتجاز وتخزين واستخدام الكربون CCUS

تعد تقنيات احتجاز وتخزين الكربون أداة مهمة في استراتيجية الوزارة. وتجري دراسة مشروعات لالتقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من العمليات الصناعية قبل وصولها إلى الغلاف الجوي، وإعادة استخدامها في تحسين إنتاج البترول EOR أو تخزينها بشكل آمن في التكوينات الجيولوجية الناضبة، وتعد هذه المشروعات ضمن خطة المساهمات الوطنية.

5.التوسع في الربط الكهربائي والطاقة المتجددة

شهدت الفترة الأخيرة تنفيذ مشروعات ربط كهربائي في حقول الإنتاج والمصافي في الصحراء الشرقية وسيناء للاستغناء عن مولدات الديزل المعتمدة على الوقود الأحفوري، إلى جانب التوسع في إدخال الطاقة الشمسية لتغذية المواقع النائية، مما يسهم في خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول عبر استهلاك الوقود وتحسين كفاءة التشغيل.

6.التحول الرقمي والابتكار المؤسسي

تم دمج أدوات الرقمنة والذكاء الاصطناعي وبناء النماذج الرقمية Digital Twins لكافة حقول الإنتاج والمصافي لمحاكاة العمليات وتحديد الفاقد بدقة، وإطلاق منصات رقمية متخصصة لحساب البصمة الكربونية للشركات التابعة لوزارة البترول، مما يدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات.

مشروعات تطبيقية رائدة على أرض الواقع

لم تقتصر جهود خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري على الخطط، بل تجسدت في مشروعات حققت نتائج قابلة للقياس. فقد أسهمت مشروعات الربط الكهربائي التي نفذتها الهيئة المصرية العامة للبترول في بعض المواقع في خفض استهلاك الغاز الطبيعي وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا، والاستغناء عن مولدات الديزل وتحقيق وفورات في استهلاك السولار وتكاليف التشغيل والصيانة.

وتلعب وحدات استرجاع الأبخرة Vapor Recovery Units دورا حيويا في موانئ ومستودعات تداول المنتجات البترولية، حيث تعمل على التقاط أبخرة الهيدروكربونات المتطايرة أثناء الشحن والتفريغ وتحويلها إلى سوائل قابلة للاستخدام، مما يمنع تسربها للغلاف الجوي ويحقق عائدا اقتصاديا.

الشراكات الدولية وبناء القدرات

لا يمكن تحقيق أهداف الاستدامة بمعزل عن التعاون الدولي. لذا عقدت وزارة البترول والثروة المعدنية شراكات استراتيجية مع شركات الطاقة العالمية ومؤسسات التمويل الدولية لنقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر الوطنية.

إن بناء قدرات العاملين وتغيير ثقافة العمل لتصبح أكثر مراعاة للبعد البيئي يعد استثمارا على المدى الطويل. وتعمل الدورات التدريبية وورش العمل المستمرة التي تنظمها الهيئة والشركات القابضة على نشر الوعي بمفهوم البصمة الكربونية والطرق المثلى لتقليل الانبعاثات المؤسسية والفردية، وهو عنصر أساسي لنجاح خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري.

في الختام، يظهر تتبع مسيرة خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع البترول المصري أن الدولة تتعامل مع قضايا البيئة كفرصة لإعادة صياغة مستقبل صناعة الطاقة بكفاءة أكبر. فمن خلال منظومة عمل متكاملة تجمع بين ترشيد الطاقة والقضاء التدريجي على حرق الغاز ومراقبة الميثان وتطبيق تقنيات احتجاز الكربون، يمكن صياغة نموذج يوضح أن التنمية الاقتصادية والمسؤولية البيئية يمكن أن يتوازيا في مسار بناء تنمية مستدامة للأجيال القادمة بشكل مستدام.

فيديو ..  وزيرا البترول والبيئة يبحثان التكامل في مجالات خفض الانبعاثات وآخر الجهود لخفض الانبعاثات

المراجع : 

أقرأ أيضاً:

خالد أبوزيد

محرر اقتصادي متخصص في اقتصاديات البترول والبتروكيماويات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى