غاز طبيعي

حقول الغاز في دلتا النيل: 6 اكتشافات تعزز إنتاج مصر من الغاز الطبيعي

حقول الغاز في دلتا النيل: قلب مصر النابض بالطاقة ومحور استراتيجيتها المستقبلية

تلعب حقول الغاز في دلتا النيل دورًا حيويًا في ترسيخ مكانة مصر ضمن خريطة الطاقة الإقليمية؛ ففي عام 2018 نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي والتحول إلى مُصدّر للغاز لعدة سنوات، وذلك بفضل الاكتشافات الكبرى والتطوير المستمر للبنية التحتية، قبل أن تؤدي تحديات التراجع الطبيعي في إنتاج بعض الحقول وارتفاع الطلب المحلي إلى استيراد كميات محدودة لتلبية احتياجات السوق.

وتُعد حقول الغاز في دلتا النيل، خاصة امتداداتها البحرية في البحر المتوسط، من أكثر المناطق الواعدة بالغاز الطبيعي في مصر.

ويُستخدم مصطلح “دلتا النيل البحرية” أحيانًا ليشمل مناطق جيولوجية مرتبطة بحوض شرق المتوسط، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة اكتشافات عملاقة غيّرت خريطة الطاقة في المنطقة.

وقد ساهمت التقنيات الحديثة، مثل المسح السيزمي ثلاثي ورباعي الأبعاد وتقنيات الحفر في المياه العميقة، في الكشف عن مكامن غازية ضخمة، أبرزها حقل ظُهر، دينيس غرب-1 ما عزز من أهمية حقول الغاز في دلتا النيل وشرق المتوسط ضمن استراتيجية مصر لزيادة الإنتاج وتلبية الطلب المحلي، بالإضافة إلى دعم قدراتها التصديرية عبر محطات الإسالة.

في هذا المقال، نستعرض الأهمية الجيولوجية والاستراتيجية لـ حقول الغاز في دلتا النيل، وأبرز الحقول والمشروعات العملاقة، وأحدث الاكتشافات، بالإضافة إلى دور التكنولوجيا الحديثة في تطوير الإنتاج، ومستقبل المنطقة في دعم أمن الطاقة المصري.

الأهمية الجيولوجية والاستراتيجية لدلتا النيل

تُعتبر دلتا النيل من أهم الأحواض الرسوبية في منطقة شرق المتوسط من حيث احتمالات وجود الغاز الطبيعي، ويرجع تاريخ الاكتشافات التجارية فيها إلى ستينيات القرن الماضي.

وتتميز منطقة حقول الغاز في دلتا النيل بتكوينات جيولوجية غنية تعود إلى عصري الميوسين والبليوسين، وتحتوي على خزانات غازية مرتبطة برواسب التيارات العكرة (Turbidites)، وهي تكوينات تمتاز بمسامية ونفاذية مرتفعتين تسمحان بتراكم كميات ضخمة من الغاز الطبيعي.

وتنبع أهمية حقول الغاز في دلتا النيل من عدة عوامل رئيسية، أبرزها:

  • ضخامة الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة.
  • قرب الحقول من البنية التحتية المتطورة.
  • توافر محطات المعالجة والإسالة وخطوط الأنابيب.
  • انخفاض نسبي في تكاليف التطوير مقارنة ببعض مناطق المياه العميقة عالميًا.
  • وجود شركات وخبرات عالمية متخصصة في تطوير الحقول البحرية.

وقد ساهمت هذه العوامل في تعزيز قدرة مصر على تلبية احتياجات قطاعات الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي، إلى جانب تصدير الغاز الطبيعي المسال عبر محطتي إدكو ودمياط.

أبرز حقول الغاز في دلتا النيل ومشروعات التطوير

تضم منطقة دلتا النيل البحرية وشرق المتوسط عددًا من أكبر حقول الغاز الطبيعي في مصر، والتي تشكل الركيزة الأساسية لمنظومة الطاقة المصرية.

حقل ظُهر 

يُعد حقل ظُهر، الذي اكتشفته شركة إيني الإيطالية عام 2015، أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في البحر المتوسط ضمن حقول الغاز في دلتا النيل حتى الآن، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيع

ويقع الحقل في المياه العميقة بالبحر المتوسط ضمن الامتدادات الجيولوجية المرتبطة بشرق المتوسط، وقد مثّل نقطة تحول رئيسية في قطاع الطاقة المصري.

ومن أبرز مميزات المشروع:

  • بدء الإنتاج خلال فترة قياسية تقل عن عامين ونصف من تاريخ الاكتشاف.
  • وصول الإنتاج في سنوات التشغيل الأولى إلى نحو 3.2 مليار قدم مكعب يوميًا.
  • مساهمته الرئيسية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عام 2018.

ومع مرور الوقت، تراجع إنتاج الحقل تدريجيًا بفعل الانخفاض الطبيعي لإنتاج الآبار، وهو أمر شائع في الحقول العملاقة.

حقل ظهر
حقل ظهر – أحد أهم حقول الغاز في دلتا النيل

دينيس غرب-1

يبرز كشف “دينيس غرب-1” كأحد أبرز الاكتشافات الغازية الاستراتيجية في منطقة البحر المتوسط ضمن حقول الغاز في دلتا النيل، إذ يمثل إضافة نوعية مهمة لاحتياطيات مصر من الغاز الطبيعي، بما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي للطاقة.

ويقع الحقل في منطقة امتياز “التمساح” البحرية قبالة سواحل مدينة بورسعيد، وتُقدَّر احتياطياته الأولية بنحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، إلى جانب نحو 130 مليون برميل من المتكثفات البترولية.

ويُعد هذا الكشف، الذي تحقق من خلال عمليات حفر متقدمة نفذتها شركة بتروبل بالشراكة مع إيني الإيطالية، ركيزة مهمة ضمن استراتيجية قطاع البترول المصري الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الفجوة بين العرض والطلب.

كما يتميز الحقل بقربه من البنية التحتية القائمة، إذ يبعد أقل من 10 كيلومترات عن خطوط ومرافق الإنتاج الحالية، ما يسمح بسرعة ربطه بالشبكة القومية للغاز الطبيعي وخفض تكاليف التنمية والتشغيل.

وتشير التوقعات إلى بدء ضخ الإنتاج خلال النصف الثاني من عام 2027، بما يدعم خطط تعزيز أمن الطاقة وتحقيق الاستقرار في إمدادات الغاز الطبيعي، على غرار الحقول الكبرى التي أسهمت في إعادة رسم خريطة الطاقة المصرية خلال السنوات الأخيرة.

كشف دينيس غرب-1
كشف دينيس غرب-1 – أحد أهم اكتشافات الغاز في دلتا النيل

مشروعات غرب دلتا النيل

تُعد مشروعات غرب دلتا النيل من أكبر مشروعات الغاز البحري في مصر، وتضم عدة حقول رئيسية من بينها:

  • تورس (Taurus)
  • ليبرا (Libra)
  • جيزة (Giza)
  • فيوم (Fayoum)

كما ترتبط به مشروع ريفين (Raven) الذي أُضيف لاحقًا ضمن منظومة التطوير.

ووصل إجمالي إنتاج هذه المشروعات في ذروة التشغيل إلى نحو 1.4 مليار قدم مكعب يوميًا، ما جعلها تمثل نسبة مهمة من إجمالي إنتاج مصر من الغاز الطبيعي.

وقد لعبت حقول الغاز في دلتا النيل دورًا محوريًا في دعم الشبكة القومية للغاز وتقليل الاعتماد على الاستيراد خلال سنوات زيادة الإنتاج.

حقل نوروس

يُعد حقل نوروس أحد أسرع مشروعات الغاز نموًا في مصر، حيث جرى تطويره في فترة زمنية قصيرة بعد اكتشافه، ووصل إنتاجه خلال سنواته الأولى إلى أكثر من 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا.

وساهم الحقل بشكل كبير في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة واردات الطاقة قبل تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي.

حقل نورس - أحد أهم حقول الغاز في دلتا النيل
حقل نورس – أحد أهم حقول الغاز في دلتا النيل

الاكتشافات الحديثة في حقول الغاز بدلتا النيل

شهدت منطقة دلتا النيل في مصر عدة اكتشافات هامة للغاز الطبيعي في السنوات الأخيرة، مما يعزز الإنتاج المحلي ويدعم مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة، وأبرز الاكتشافات الحديثة في دلتا النيل:

1. كشف بئر “نيدوكو إن-2” (مايو 2026)

أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في مايو 2026 عن تحقيق كشف جديد للغاز الطبيعي في منطقة دلتا النيل.

  • الموقع والتقنية: تم تحقيق الكشف عبر حفر البئر الاستكشافية “نيدوكو إن-2” ($Nidoco\ N-2$) بمنطقة غرب أبو ماضي في محافظة كفر الشيخ. ورغم أن الخزان يقع في منطقة بحرية ضحلة (على بعد حوالي 3 كم من الشاطئ)، فقد تم حفر البئر من البر باستخدام تقنيات الحفر المائل ممتد النطاق ($ERD$) الحديثة لتوفير النفقات وزيادة الكفاءة.
  • الإنتاج: تُقدّر معدلات الإنتاج الأولية للكشف الجديد بنحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا.
  • الشركات العاملة: تتولى شركة “إيني” الإيطالية تشغيل منطقة الامتياز بالشراكة مع شركة “بي بي” ($bp$) البريطانية والهيئة المصرية العامة للبترول، من خلال شركة العمليات المشتركة “بتروبل”.
  • الأهمية: يتميز الكشف بقربه الشديد من البنية التحتية والتسهيلات الإنتاجية القائمة (أقل من 2 كم)، مما يسمح بسرعة ربطه على شبكة الإنتاج القومية خلال أسابيع قليلة، ويأتي هذا الاكتشاف في إطار جهود الدولة لزيادة معدلات الإنتاج وتشجيع الشركاء الأجانب على تكثيف أنشطة البحث والاستكشاف.
كشف بئر "نيدوكو إن-2" - حقول الغاز في دلتا النيل
كشف بئر “نيدوكو إن-2” – حقول الغاز في دلتا النيل

2. كشف “بشروش” (يوليو 2020)

في عام 2020، أُعلن عن كشف غاز واعد آخر في منطقة دلتا النيل البحرية، والذي يمثل امتداداً لتكوينات العصر المسيني (تكوين أبو ماضي) ضمن منطقة “نوروس الكبرى”.

  • الموقع: يقع الكشف، الذي يحمل اسم “بشروش” ($Bashrush$)، في منطقة امتياز شمال الحماد بالمياه المصرية. ويبعد حوالي 11 كم عن الساحل و12 كم شمال غرب حقل “نوروس”.
  • الإنتاج: أسفرت اختبارات البئر الأولية عن معدل إنتاج بلغ 32 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا (محدودة بقدرة التسهيلات السطحية للاختبار)، في حين تُقدّر القدرة الإنتاجية القصوى للبئر عند وضعه الفعلي على خط الإنتاج بنحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا، مصحوبة بحوالي 800 برميل من المتكثفات.
  • الشركات العاملة: تم تحقيق الكشف بالتعاون بين شركة “إيني” الإيطالية (المشغل عبر ذراعها إيوك بنسبة 37.5%)، وشركة “بي بي” البريطانية (بنسبة 37.5%)، وشركة “توتال” الفرنسية (بنسبة 25%)، بالتنسيق مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس).
كشف بشروش - حقول الغاز في دلتا النيل
كشف بشروش – حقول الغاز في دلتا النيل

دور التكنولوجيا الحديثة في تطوير حقول الغاز في دلتا النيل

لعبت التكنولوجيا الحديثة دورًا أساسيًا في تطوير حقول الغاز البحرية المصرية، خاصة في المناطق العميقة والمعقدة جيولوجيًا.

تقنيات المسح السيزمي المتقدمة

تعتمد الشركات العاملة في المنطقة على تقنيات المسح السيزمي ثلاثي ورباعي الأبعاد (3D/4D Seismic)، والتي تتيح تكوين صور دقيقة للتراكيب الجيولوجية تحت سطح البحر.

أما المسح رباعي الأبعاد، فيعتمد على تكرار عمليات المسح عبر الزمن لمراقبة تغيرات المكامن أثناء الإنتاج، مما يساعد على تحسين إدارة الحقول ورفع كفاءة الاستخراج.

وقد ساهمت هذه التقنيات في:

  • تحديد مواقع المكامن المحتملة بدقة عالية.
  • تقليل مخاطر الحفر الاستكشافي.
  • تحسين فهم التكوينات الجيولوجية المعقدة.

تقنيات الحفر والإنتاج في المياه العميقة

تطلب تطوير الحقول البحرية العملاقة استخدام أحدث تقنيات الحفر في المياه العميقة والفائقة العمق، إلى جانب أنظمة الإنتاج تحت سطح البحر (Subsea Production Systems)، والتي تسمح بربط الآبار بمحطات المعالجة بكفاءة وأمان.

وقد ساهمت هذه التقنيات في تسريع عمليات التنمية وتقليل زمن بدء الإنتاج التجاري.

مستقبل حقول الغاز في دلتا النيل

لا تزال حقول الغاز في دلتا النيل تمثل أحد أهم المحاور الاستراتيجية لقطاع الطاقة المصري، في ظل استمرار أعمال البحث والاستكشاف وتطوير البنية التحتية.

وتعمل على دعم هذا التوجه من خلال:

  • طرح مزايدات عالمية جديدة للاستكشاف.
  • تشجيع الشركات على تكثيف أنشطة البحث في المناطق غير المطورة.
  • تطوير شبكات النقل والمعالجة والإسالة.
  • تعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط.

ورغم التحديات المرتبطة بتراجع إنتاج بعض الحقول وارتفاع معدلات الاستهلاك المحلي، فإن الاكتشافات الجديدة والتوسع في أعمال التنمية يمنحان القطاع فرصًا قوية لدعم أمن الطاقة المصري خلال السنوات المقبلة.

ختامًا، تُظهر الإنجازات التي حققتها حقول الغاز في دلتا النيل حجم الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها هذه المنطقة لقطاع الطاقة المصري؛ فإلى جانب دورها في توفير إمدادات الغاز الطبيعي للسوق المحلي، ساهمت الاكتشافات الكبرى في تعزيز مكانة مصر الإقليمية في صناعة الغاز الطبيعي.

ومع استمرار تدفق الاستثمارات وتطبيق أحدث التقنيات، ستظل حقول الغاز في دلتا النيل أحد أهم ركائز دعم الاقتصاد المصري وأمن الطاقة خلال السنوات القادمة.

مراجع:

اقرأ أيضاً:

محمد أبو الخير

محرر اقتصادي متخصص في شئون البترول والغاز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى